في السادسة والسبعين من عمرها، لا تزال أم منذر تصنع التنانير الطينية بالطريقة التقليدية في مدينة كفرنبل بريف إدلب، بمساعدة زوجها البالغ من العمر 86 عاماً، مع عودة بعض سكان المدينة إلى عادات قديمة تراجعت خلال سنوات الحرب والنزوح، من بينها إعداد خبز التنور في المنازل.
وتبدأ أم منذر صناعة التنور بإحضار نوع من التراب يُعرف محلياً باسم “الحال”، قبل نخله ونقعه بالماء وتجهيزه، ثم بناء جسم التنور على مراحل متتالية.
وتقول لموقع سوريا 24: “نضعه دوراً بعد دور. نترك الدور الأول حتى ينشف، ثم نضع الذي يليه”، موضحة أن صناعة التنور الواحد تستغرق نحو ثلاثة أيام بسبب ضرورة انتظار جفاف كل طبقة قبل مواصلة البناء.
ورغم تقدمهما في السن، يعمل الزوجان معاً في صناعة التنانير، إذ يساعد زوجها أم منذر في أعمال البناء والتجهيز التي تتطلب جهداً بدنياً.
وتقول أم منذر: “لولا الحاج يساعدني لكان الأمر صعباً عليّ. يساعدني في كل شيء”، فيما تتولى بنفسها مراحل أخرى من العمل اعتادت النساء القيام بها.
وكانت أم منذر تبيع التنور الواحد مقابل 1500 ليرة تركية، أي ما يعادل نحو 15 دولاراً، قبل أن ترفع سعره إلى ألفي ليرة تركية، في ظل ما تقول إنه ارتفاع في التكاليف والجهد الذي تتطلبه صناعته.
التنور يعيد جمع أفراد الأسرة
وتقول مراسلة “سوريا 24” سحر زعتور، وهي من سكان كفرنبل، إن العودة إلى خبز التنور لا ترتبط فقط بطريقة إعداد الخبز، وإنما تعيد إلى بعض العائلات طقوساً اجتماعية كانت جزءاً من حياتها اليومية قبل الحرب.
وتضيف أن صناعة الخبز في التنور كانت تجمع أفراد الأسرة حول إعداد العجين والخبز وتحضير الطعام، ولذلك يرى بعض السكان في عودتها استعادة لجانب من التراث المحلي والحياة العائلية التي فرقتها سنوات النزوح.
وتقول زعتور: “العودة إلى خبز التنور هي عودة إلى التراث، وإلى اجتماع أفراد العائلة من جديد”.
وكانت الأسر في كفرنبل تعتمد في السابق على البساتين والأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة لتأمين جزء من احتياجاتها الغذائية، ولا سيما الزيتون والفليفلة وغيرها من المحاصيل، سواء للاستهلاك المنزلي أو لإعداد مؤونة العائلة.
لكن سنوات الحرب خلفت دماراً واسعاً في المنطقة، رافقه تضرر الأراضي الزراعية وقطع أشجار وتجريف مساحات من التربة، بحسب زعتور، ما أدى إلى تراجع توفر بعض المنتجات المحلية وارتفاع تكلفة الحصول عليها مقارنة بما كانت عليه في السابق.
وتوضح أن كثيراً من المواد التي كانت تصل إلى الأسر مباشرة من بساتينها أو يتم تبادلها وتوزيعها بين السكان أصبحت اليوم أكثر كلفة، في وقت تواجه فيه العائلات أعباء معيشية متزايدة.
من عادة منزلية إلى مصدر رزق
ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد خبز التنور مقتصراً على الاستهلاك العائلي، إذ امتهنت بعض الأسر في كفرنبل صناعة خبز التنور وبيعه باعتباره مصدراً للدخل يساعدها على تأمين احتياجاتها اليومية.
وبحسب زعتور، يتراوح سعر رغيف خبز التنور الواحد بين عشر و15 ليرة تركية، وفق حجمه ومكان بيعه، بينما تلجأ بعض الأسر إلى إنتاج كميات منه وبيعها للسكان.
وهكذا بات التنور يؤدي دورين متوازيين في حياة بعض أهالي المدينة؛ فهو بالنسبة إلى أسر وسيلة لإعادة طقوس الخبز المنزلي وجمع أفراد العائلة، بينما تحول بالنسبة إلى أسر أخرى إلى مهنة تساعدها على مواجهة مصاعب الحياة.
وتأتي عودة هذه الممارسات في مدينة عاشت، مثل مناطق واسعة من شمال غربي سوريا، سنوات من النزوح والدمار وتضرر مصادر الرزق، فيما يحاول السكان استعادة أنماط من الحياة كانت مألوفة قبل الحرب والتكيف في الوقت نفسه مع واقع اقتصادي مختلف.
وبالنسبة إلى أم منذر وزوجها، اللذين يواصلان العمل في سن السادسة والسبعين والسادسة والثمانين، تبدأ هذه العودة من حفنة من التراب، تُعجن وتُبنى طبقة فوق أخرى على مدى ثلاثة أيام، حتى تصبح تنوراً جاهزاً لاستقبال النار ورغيف الخبز، الذي يعيد الذكريات و”لمة العائلة”، ويصبح مصدر رزق لعائلات أخرى.
