في قلب مدينة حلب القديمة، يقف سوق الحبال شاهداً على واحدة من المهن التقليدية التي ارتبطت بتاريخ المدينة وحياة سكانها لعقود طويلة. إلا أن السوق، الذي كان في السابق مقصداً للتجار والمتسوقين من حلب ومحافظات سورية مختلفة، يواجه اليوم واقعاً تجارياً مختلفاً، بعدما تراجعت حركة البيع والشراء فيه، وتأثرت إمكانية الوصول إليه نتيجة الأضرار التي لحقت بعدد من الأسواق والمحلات المحيطة به خلال سنوات الثورة والقصف الذي طال مناطق مدنية وتجارية في المدينة.
وعلى الرغم من عودة عدد من أصحاب المحلات إلى أعمالهم خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الحركة التجارية في السوق محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة. كما تقلص عدد المحلات التي حافظت على نشاطها الأصلي في صناعة وبيع الحبال، فيما اتجهت محال أخرى إلى أنشطة تجارية مختلفة، كان أبرزها صياغة وبيع الذهب والفضة.
ويقول محمد رياض شقروق لـ«سوريا 24» إن محله يقع في سوق الحبال، الذي يعد من الأسواق القديمة في مدينة حلب، موضحاً أن السوق كان مخصصاً في بداياته لبيع الحبال، قبل أن تتوسع الأنشطة التجارية فيه وتظهر محال متخصصة بصياغة الذهب والفضة، ولا سيما في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة السورية.
ويشير شقروق إلى أن السوق يعود في قدمه إلى عصور موغلة في تاريخ المدينة، لافتاً إلى أن عمره مرتبط بتاريخ الجامع الكبير والأسواق المحيطة به، ما يجعله جزءاً من النسيج التجاري والتراثي لمدينة حلب القديمة.
وبحسب شقروق، استعاد السوق جزءاً من نشاطه تدريجياً بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن الحركة التجارية لا تزال دون المستوى الذي كانت عليه سابقاً، في ظل انخفاض أعداد الزوار والمتسوقين. ويربط ذلك بشكل رئيسي بالأضرار التي لحقت بالأسواق المحيطة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المنطقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أصحاب المحال والحرفيين العاملين فيها.
ويرى شقروق أن إعادة ترميم وتأهيل الأسواق المتضررة المحيطة بسوق الحبال، إلى جانب إعادة فتح المحال المغلقة، يمكن أن تشكل خطوة أساسية في طريق استعادة النشاط التجاري. ويؤكد أن السوق كان في السابق بمثابة شريان رئيسي لتوزيع الحبال في مدينة حلب، ولم تقتصر أهميته على سكان المدينة، بل كان يستقبل تجاراً من مناطق ومحافظات سورية مختلفة.
مهنة توارثتها العائلة
من جهته، يقول جمال حبال لـ«سوريا 24» إنه يعمل في صناعة وبيع الحبال منذ نحو 50 إلى 55 عاماً، موضحاً أن المهنة انتقلت داخل عائلته من جيل إلى آخر، قبل أن تفتتح العائلة محلاً خاصاً بها في السوق قبل نحو 45 عاماً.
ويستعيد حبال جانباً من ذاكرة السوق، موضحاً أن سوق الحبال كان يشهد حركة تجارية نشطة قبل سنوات الثورة، وكانت منتجاته تصل إلى مناطق مختلفة من سوريا. وكان التجار يقصدونه لشراء أنواع متعددة من الحبال، المستخدمة في مجالات عديدة، بينها تجهيز بيوت الشعر، إضافة إلى استخدامها في جر السيارات وأعمال أخرى تتطلب حبالاً قوية ومتينة.
ويقول إن السوق فقد جزءاً كبيراً من حركته التجارية خلال سنوات الثورة، نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنطقة والأسواق المحيطة بها، فضلاً عن مغادرة عدد من الأهالي وأصحاب المحال المنطقة وعدم عودتهم إليها، الأمر الذي ترك أثراً واضحاً على طبيعة السوق وتركيبته التجارية.
ويضيف أن السوق كان يضم في السابق عدداً أكبر من المحال المتخصصة بصناعة وبيع الحبال، وكانت المهنة حاضرة على امتداده، بينما لا يوجد اليوم سوى محلين أو ثلاثة تواصل العمل في هذا المجال، في حين تحولت محال أخرى إلى أنشطة تجارية مختلفة، من بينها تجارة وصياغة الذهب والفضة.
ولا يقتصر التراجع على عدد المحال المتخصصة بالحبال، إذ انعكس أيضاً على حجم الطلب، في ظل تغير أنماط الاستخدام وتراجع النشاط التجاري العام في المنطقة. ومع ذلك، لا يزال العاملون في المهنة يتمسكون بها باعتبارها جزءاً من تاريخ عائلاتهم وذاكرة السوق.
سوق يتجاوز التجارة
وبحسب ما توارثته عائلة حبال، يعود تاريخ السوق إلى نحو 250 عاماً، فيما تمتد مهنة صناعة وبيع الحبال داخل العائلة عبر أجيال متعاقبة، حتى ارتبط اسم العائلة بالمهنة نفسها، وأصبح لقب «حبال» جزءاً من اسمها.
وتكشف هذه التفاصيل عن طبيعة الأسواق القديمة في حلب، التي لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات ارتبطت فيها المهن بأسماء العائلات، وتوارث فيها الحرفيون أسرار صناعاتهم وأدواتهم وأساليب العمل من الآباء إلى الأبناء.
ويعكس سوق الحبال، في الوقت ذاته، جانباً من التحولات التي شهدتها أسواق حلب القديمة خلال العقود الماضية، إذ انتقلت بعض المحال من نشاطها التقليدي إلى أنشطة أكثر ارتباطاً بالتغيرات الاقتصادية واحتياجات السوق. ومع ذلك، بقيت بعض المهن حاضرة، ولو بعدد محدود من أصحابها.
ترميم الأسواق شرط لعودة الحركة
وبينما يحاول سوق الحبال استعادة جزء من نشاطه، تبدو عودته إلى سابق عهده مرتبطة بعوامل تتجاوز أصحاب المحال أنفسهم. فإعادة تأهيل الأسواق والمباني والمحلات المتضررة المحيطة، وتحسين الوصول إلى المنطقة، وعودة السكان وأصحاب الأنشطة التجارية، تعد من أبرز العوامل التي يمكن أن تساعد في تنشيط الحركة الاقتصادية.
ويأمل العاملون في السوق أن تسهم أعمال الترميم وإعادة التأهيل في إعادة الحياة إلى المنطقة، بما يسمح للمحال القديمة باستعادة زبائنها، ويمنح الحرف التقليدية فرصة للبقاء والاستمرار.
وفي سوق ارتبط اسمه لعقود بمهنة صناعة وبيع الحبال، لا تبدو المعركة اليوم اقتصادية فقط، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على ذاكرة مهنية واجتماعية تشكلت عبر أجيال. فعودة الحركة إلى السوق قد تعني، بالنسبة لأصحاب المهنة، أكثر من عودة الزبائن؛ إنها فرصة لاستعادة جزء من هوية سوق قديم، والحفاظ على حرفة توارثتها عائلات حلبية جيلاً بعد جيل.
