عروض العمل الوهمية.. من الاحتيال إلى الاستغلال

حجم الخط

قد يبدو إعلان العمل فرصة يصعب رفضها: راتب مرتفع، وظيفة لا تتطلب خبرة، أو فرصة للسفر والعمل خارج البلاد. لكن بعض هذه العروض قد تكون مدخلاً إلى الاحتيال والاستدراج، وقد تتطور في حالات أخرى إلى الاستغلال والاتجار بالبشر.

يبدأ الأمر أحياناً بإعلان منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو برسالة مباشرة تصل إلى الباحث عن عمل، قبل أن ينتقل التواصل سريعاً من منصة الإعلان إلى تطبيقات مثل واتساب أو تيليغرام، حيث تقل الرقابة ويصبح الضغط على المتقدم أكثر سهولة.

وتزداد خطورة هذه العروض عندما تستغل حاجة الباحثين عن العمل، ولا سيما الشباب وحديثي التخرج والأشخاص الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة، أو أولئك الذين يبحثون عن فرص للعمل خارج البلاد.

وقالت أخصائية السلامة الرقمية حنين السيد لـ”سوريا 24” إن من أكثر أساليب الاحتيال شيوعاً نشر إعلانات عن وظائف برواتب مرتفعة بصورة غير منطقية أو لا تتطلب خبرة، إلى جانب انتحال أسماء وصفات منظمات ومؤسسات معروفة، بهدف إضفاء المصداقية على العرض ودفع المتقدم إلى التفاعل معه.

وأضافت السيد أن المحتالين قد يطلبون مبالغ مالية تحت ذرائع مختلفة، مثل رسوم التسجيل أو التدريب أو إصدار عقد العمل، وقد يلجؤون إلى إجراء مقابلات شكلية لإقناع المتقدم بأن الجهة حقيقية، قبل الانتقال إلى طلب بيانات شخصية أو وثائق حساسة يمكن استخدامها لاحقاً في الاحتيال أو انتحال الهوية.

وترى السيد أن المحتالين يستفيدون من الضغط النفسي والاقتصادي الذي يعيشه الباحث عن عمل، ويدفعونه إلى اتخاذ قرار سريع قبل أن تتاح له فرصة التحقق من الجهة أو حقيقة العرض.

وتظهر تجربة مرام، 25 عاماً، وهي خريجة أدب عربي ومعيلة لأسرتها بعد وفاة والدها، كيف يمكن للحاجة إلى العمل أن تدفع الشخص إلى الاستمرار في عرض يثير شكوكه منذ البداية.

تواصلت مرام عبر فيسبوك مع جهة عرضت عليها وظيفة، ولاحظت خلال الحديث عن الراتب مؤشرات أثارت شكوكها، لكنها قررت الذهاب إلى المقابلة بسبب حاجتها إلى العمل. وهناك، تحولت الوعود براتب مغرٍ إلى تلميحات لا علاقة لها بالوظيفة التي تقدمت إليها، فرفضت العرض وانسحبت.

وتكشف تجربتها جانباً آخر من المشكلة، إذ لا يكون الهدف من بعض الإعلانات الوهمية الحصول على المال فقط، بل قد يتحول العرض الوظيفي نفسه إلى وسيلة للوصول إلى الشخص واستغلال حاجته إلى العمل.

مؤشرات تسبق الاحتيال

وتقول السيد لـ”سوريا 24” إن هناك مؤشرات يمكن أن تساعد الباحث عن عمل على اكتشاف العروض المشبوهة قبل التفاعل معها، أبرزها أن يكون الراتب المعروض مرتفعاً بصورة غير منطقية مقارنة بطبيعة الوظيفة، أو أن تضغط الجهة على المتقدم لاتخاذ قرار سريع، أو أن تعلن عن حاجتها إلى أعداد كبيرة من الموظفين من دون تقديم معلومات واضحة عن طبيعة العمل.

وتضيف أن طلب تحويل الأموال قبل بدء العمل يعد من أبرز العلامات التي تستدعي التوقف، إلى جانب استخدام بريد إلكتروني غير رسمي، أو وجود أخطاء واضحة في الإعلان، أو رفض الجهة إجراء مقابلة حقيقية، أو عدم قدرتها على تقديم معلومات واضحة عن نشاطها ومقرها وطرق التواصل الرسمية معها.

وتنصح السيد بأن يدفع اجتماع أكثر من مؤشر من هذه المؤشرات الباحث عن العمل إلى التوقف والتحقق بشكل مستقل، قبل إرسال الأموال أو الوثائق أو مشاركة أي معلومات شخصية.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت شهدت فيه سوريا حالات احتيال استخدمت إعلانات وظائف وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت طلب تعبئة استمارات وتحويل مبالغ مالية باعتبارها رسوماً للتقدم إلى الوظيفة. كما استُخدمت في بعض الحالات أسماء وشعارات وبريد إلكتروني مشابه لجهات ومنظمات حقيقية لإقناع الضحايا بمصداقية العروض.

متى يصبح عرض العمل جريمة؟

ولا يعني كل عرض عمل لم يُنفذ لاحقاً أنه جريمة احتيال، إذ يرتبط التكييف القانوني بالوسائل المستخدمة والوقائع التي رافقت العرض، وما إذا كان قد ترتب عليه الاستيلاء على أموال أو ارتكاب أفعال أخرى مجرّمة.

وقال المحامي فراس حميدو لـ”سوريا 24” إن عرض العمل الوهمي يمكن أن يشكل جريمة عندما يُستخدم وسيلة لارتكاب الاحتيال أو لارتكاب جرائم أخرى، مثل الاتجار بالأشخاص أو استغلال الأطفال، بحسب طبيعة الواقعة والأدلة المتوافرة فيها.

وأوضح حميدو أن الاحتيال يتحقق عندما تُستخدم وسيلة احتيالية لخداع الضحية ودفعها إلى تسليم المال، ثم يجري الاستيلاء عليه بناءً على هذا الخداع، مشيراً إلى أن من صور ذلك انتحال اسم أو صفة جهة توظيف، أو تقديم وثائق مزورة، أو الادعاء بالقدرة على تأمين وظيفة مقابل مبلغ مالي.

وأضاف أن مجرد الوعد بوظيفة ثم عدم تنفيذ الوعد لا يعني بالضرورة تحقق جريمة احتيال، ما لم يترافق ذلك مع وسيلة احتيالية أو استيلاء على المال، وهو ما يُحدد وفق ظروف كل واقعة.

وتزداد الخطورة عندما يُستخدم الادعاء بتأمين وظيفة في جهة عامة مقابل مبلغ مالي، أو عندما تُجمع أموال من أشخاص بحجة الاستثمار في مشروع أو نشاط عمل غير موجود.

عندما يتحول الإعلان إلى استدراج

لا يكون المال هو الهدف دائماً. ففي بعض الحالات يمكن أن يكون عرض العمل مجرد غطاء للوصول إلى الضحية ثم استغلالها.

وقال حميدو لـ”سوريا 24” إن عرض العمل يمكن أن يكون وسيلة للاتجار بالأشخاص عندما يكون الهدف استغلال الضحية جنسياً أو إخضاعها للعمل القسري، وهي أفعال يجرّمها قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص رقم 3 لعام 2010، وفق شروط الجريمة وعناصرها القانونية.

وأوضح أن الفرق الأساسي بين الاحتيال المالي والاتجار بالأشخاص يكمن في الغاية من الفعل؛ ففي حين يستهدف الاحتيال الحصول على المال أو الممتلكات من خلال الخداع، يستهدف الاتجار استغلال الإنسان والسيطرة عليه.

وقد يبدأ هذا المسار بإعلان وظيفي يبدو عادياً، ثم ينتقل إلى التواصل الخاص والاستدراج، قبل أن يتطور إلى السيطرة أو الإكراه والاستغلال. وفي بعض الحالات، يمكن أن يكون الاحتيال الإلكتروني مجرد وسيلة للوصول إلى الضحية.

كما قد تترافق هذه الأفعال مع جرائم إلكترونية أخرى. وقال حميدو إن التواصل عبر الإنترنت، إذا تضمن اختراقاً أو ابتزازاً أو أفعالاً أخرى مجرّمة بموجب التشريعات المتعلقة بالجرائم المعلوماتية، فقد تنطبق عليه أحكام القانون رقم 20 لعام 2022، وفق طبيعة الواقعة والأفعال المرتكبة.

التحقق يبدأ من الإعلان

وترى السيد أن الحماية تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يرى فيها الباحث عن العمل الإعلان، وليس بعد دفع المال أو إرسال الوثائق.

وقالت لـ”سوريا 24” إن التحقق من الجهة المعلنة يجب أن يتم من خلال موقعها الرسمي وحساباتها الموثقة وقنوات التواصل المعتمدة لديها، بدلاً من الاكتفاء بالرقم أو الحساب الذي أرسل عرض العمل.

وتشدد على ضرورة عدم دفع أي مبالغ مقابل الحصول على وظيفة، وعدم مشاركة الوثائق الشخصية الحساسة قبل التأكد من هوية المؤسسة والجهة التي تطلبها، إلى جانب البحث عن معلومات مستقلة حول الشركة أو المؤسسة وتقييمات العاملين أو المتعاملين معها.

وتضيف أن الاستعانة بأشخاص لديهم خبرة يمكن أن تساعد في تقييم العرض قبل اتخاذ قرار القبول، كما يمكن استخدام خدمات متخصصة لفحص الروابط المشبوهة، مثل VirusTotal، مع الانتباه إلى أن نتيجة الفحص لا تكفي وحدها لإثبات موثوقية الجهة التي تقف خلف الرابط.

وتلخص السيد القاعدة الأساسية بالقول إنه كلما كان عرض العمل غامضاً أو غير منطقي، ازدادت الحاجة إلى التحقق قبل اتخاذ أي خطوة.

إذا بدأ الاستدراج.. احفظ الأدلة

وفي حال شعر الشخص بأنه تعرض للاستدراج، ينصح حميدو بوقف التواصل وعدم الدخول في مواجهة أو تهديد الطرف الآخر، مع الحفاظ على المحادثات التي يمكن أن تشكل دليلاً.

وقال لـ”سوريا 24” إن من المهم الاحتفاظ بالرسائل والأرقام والحسابات والمستندات التي جرى تبادلها، وتوثيقها من خلال لقطات الشاشة وحفظ نسخ منها في أكثر من مكان، قبل التوجه إلى الجهات المختصة.

وأضاف أنه يمكن تقديم بلاغ إلى الشرطة أو النيابة العامة مع الأدلة المتوافرة، كما يمكن اللجوء إلى الجهات المختصة بمكافحة الجرائم المعلوماتية عندما يكون الاستدراج قد تم عبر الإنترنت.

وفي حال مشاركة كلمات المرور أو وجود احتمال للوصول إلى الحسابات، ينبغي تغيير كلمات المرور للحسابات المتأثرة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينها.

مسؤولية تتجاوز الباحث عن العمل

وترى السيد أن مواجهة عروض العمل الوهمية لا يمكن أن تقع على الباحثين عن العمل وحدهم، إذ تتحمل المنصات الرقمية والمؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام جانباً من المسؤولية في الحد من انتشار الإعلانات والحسابات الوهمية.

وقالت لـ”سوريا 24” إن تطوير آليات أسرع للإبلاغ عن الإعلانات المشبوهة والحسابات المنتحلة، إلى جانب نشر التوعية بأساليب المحتالين وملاحقة الجهات التي تستغل حاجة الناس إلى العمل، يمكن أن يسهم في الحد من هذه الظاهرة.

وشهدت الفترة الماضية حالات عدة استُخدمت فيها منصات التواصل لنشر عروض احتيالية، ما دفع جهات رسمية ومؤسسات إلى التحذير من الروابط والحسابات التي تنتحل صفاتها. كما أعلنت وزارة الإعلام السورية، في وقت سابق، عن إجراءات بالتعاون مع شركة “ميتا” أدت إلى حذف أكثر من ألف منشور احتيالي وتعطيل عشرات الإعلانات الوهمية.

ومع توسع استخدام وسائل التواصل في البحث عن فرص العمل، يصبح التحقق من هوية الجهة وطبيعة الوظيفة جزءاً أساسياً من عملية البحث نفسها. فالإعلان الحقيقي قد يتطلب تقديم طلب وإجراء مقابلة وانتظار نتيجة القبول، لكنه لا يفترض أن يتطلب دفع المال مقابل الحصول على الوظيفة، أو مشاركة وثائق حساسة قبل التحقق من الجهة، أو القبول بشروط لا علاقة لها بطبيعة العمل.