وفاة “غميرة” في مقر أمني.. تحرك لوزارة الداخلية والعائلة تطالب بالمحاسبة

حجم الخط

شُيّع الشاب محمد حسام الدين غميرة، الاثنين، في مدينة الحفة بريف اللاذقية، بعد وفاته إثر تدهور حالته الصحية عقب توقيفه في قسم الشرطة بالمدينة، في حادثة دفعت وزارة الداخلية إلى فتح تحقيق وتوقيف سبعة من منتسبيها، وأعادت إلى الواجهة ملف الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز في سوريا.

ووصل جثمان غميرة إلى منزله في الحفة مساء الاثنين، بعد استكمال إجراءات الطب الشرعي، وسط تجمع لأفراد عائلته وأهالي المنطقة، وفق ما أظهرته صور نشرتها وكالة الأنباء السورية “سانا”.

وكان غميرة، البالغ من العمر 29 عاماً، مصاباً بمرض الناعور “الهيموفيليا”، وهو اضطراب يؤثر في قدرة الدم على التخثر، بحسب عمه عصام غميرة، مدير الهيئة العامة لمشفى الحفة، الذي قال إن ابن شقيقه استجاب لاستدعاء إلى قسم الشرطة قبل أن يتعرض للضرب على أيدي عناصر فيه، ما أعقبه تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى.

ولم تصدر حتى الآن نتائج نهائية للطب الشرعي تحدد السبب المباشر للوفاة أو مدى مساهمة مرض الناعور والإصابات التي تعرض لها غميرة في النزيف وتدهور حالته الصحية، فيما قالت العائلة إنها تنتظر نتائج التحقيق الرسمي.

ضربوه على الرأس والبطن

وقالت أسماء عبد الرحيم، زوجة غميرة، في شهادة مصورة تداولتها وسائل إعلام محلية، إن زوجها تعرض للضرب على الرأس والبطن خلال توقيفه، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عما جرى.

وقالت عبد الرحيم: “بدي حقه وحق ولاده”، مؤكدة أنها لن تتنازل عن المطالبة بحق زوجها وأطفاله.

وتحدثت روايات عائلية عن أن زوجة غميرة أبلغت عناصر الشرطة بإصابته بمرض الناعور، وهي نقطة يُنتظر أن يشملها التحقيق لتحديد كيفية التعامل مع حالته الصحية أثناء توقيفه.

وقال مصطفى غميرة، شقيق محمد، إن شقيقه توفي بعد تعرضه لمضاعفات صحية أثناء وجوده في المستشفى الجامعي باللاذقية، مضيفاً أن الفريق الطبي حاول إنعاشه مرات عدة بعد توقف قلبه، قبل إعلان وفاته.

وقال إن الأسرة تترك تحديد السبب النهائي للوفاة للجنة التحقيق.

سبعة موقوفين ولجنة تحقيق

وباشرت لجنة برئاسة اللواء أحمد لطوف عملها في اللاذقية، الاثنين، بتوجيه من وزير الداخلية أنس خطاب، للتحقيق في ملابسات وفاة غميرة وتحديد المسؤوليات، بحسب بيان صادر عن الوزارة.

وقالت وزارة الداخلية إن اللجنة ستعمل على كشف ما جرى “بدقة وشفافية”، وإن من يثبت تورطه سيحاسب.

وأوقفت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية سبعة أشخاص على ذمة التحقيق في القضية، في إجراء قالت السلطات إنه يأتي إلى حين استكمال جمع الأدلة والاستماع إلى الأطراف المعنية، وفقاً للوزارة.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في تصريحات صحفية، إن مهمة اللجنة لن تقتصر على قضية غميرة، بل ستمتد إلى تقييم أداء أقسام الشرطة في أنحاء سوريا، ولا سيما في محافظة اللاذقية، على أن تقدم توصيات تتعلق بطريقة عمل هذه الأقسام.

كما أكد وزير الداخلية أن الوزارة ستتعامل مع القضية وفق القانون، وأن أي مسؤولية تثبتها التحقيقات ستقابل بالمحاسبة، في وقت تزايدت فيه المطالبات بإعلان نتائج التحقيق للرأي العام.

الناعور في صلب التحقيق الطبي

ويجعل مرض الناعور الذي كان يعاني منه غميرة التقييم الطبي للإصابات عاملاً أساسياً في تحديد تسلسل الأحداث التي سبقت الوفاة، إذ يمكن لهذا المرض أن يزيد خطر النزيف بعد الإصابات.

غير أن وجود الناعور لا يحسم وحده سبب الوفاة ولا يحدد المسؤولية عن الإصابات، ما يجعل تقرير الطب الشرعي ضرورياً لتحديد طبيعة الضربات، ومكانها، ومدى ارتباطها بالنزيف الذي تعرض له غميرة، إلى جانب تقييم الإجراءات الطبية والأمنية المتخذة منذ توقيفه وحتى نقله إلى المستشفى.

وقال عصام غميرة إن العائلة تثق بالقضاء وتنتظر نتائج التحقيق وإنصاف ابنها، داعياً في الوقت نفسه إلى محاسبة المسؤولين والحفاظ على الهدوء في المنطقة.

حوادث سابقة بعد سقوط النظام

وتعيد قضية غميرة فتح النقاش بشأن معاملة الموقوفين داخل مراكز الشرطة والأمن في سوريا، ولا سيما بعد تسجيل منظمات حقوقية حوادث وفاة تحت التعذيب أو عقب الاحتجاز منذ سقوط نظام بشار الأسد.

ففي شباط/ فبراير 2025، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها وثقت تعذيب ومقتل ثلاثة محتجزين على يد إدارة الأمن العام التابعة للحكومة الانتقالية، وطالبت بفتح تحقيق ومحاسبة المتورطين وتعويض عائلات الضحايا.

وتعلقت الحالات بثلاثة محتجزين في محافظة حمص، قالت الشبكة إنهم توفوا بعد توقيفهم خلال حملات أمنية، مشيرة إلى وجود دلائل على تعرضهم للتعذيب أثناء الاحتجاز. واعتبرت أن تلك الوقائع تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة لمنع تكرارها.

كما أظهرت الحصيلة السنوية للشبكة أن 16 شخصاً توفوا بسبب التعذيب على يد قوات الحكومة السورية خلال عام 2025، مقابل 12 شخصاً نسبت وفاتهم تحت التعذيب إلى قوات سوريا الديمقراطية، وشخص واحد إلى الجيش الوطني السوري.

واستمرت حالات الوفاة المرتبطة بالتعذيب خلال 2026، إذ قالت الشبكة في تقريرها عن الربع الأول من العام إنها وثقت وفاة شخص بسبب التعذيب ضمن حصيلة الضحايا المدنيين خلال تلك الفترة.

إرث ثقيل من التعذيب

وتواجه السلطات السورية الجديدة أيضاً إرثاً واسعاً من التعذيب والاختفاء القسري داخل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، وهي ممارسات تقول منظمات حقوقية إنها ارتبطت لعقود بمراكز الاحتجاز والسجون وفروع أجهزة المخابرات.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير صدر في يونيو/حزيران 2026، إن سلسلة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز شكلت نمطاً مترابطاً في سوريا، وإن معالجة هذا الإرث تتطلب إصلاحاً قانونياً ومؤسسياً، وليس التعامل مع الحالات بصورة منفصلة.

وكانت الشبكة قد قالت قبل سقوط النظام إن قوات بشار الأسد كانت مسؤولة عن الغالبية الساحقة من حالات الوفاة تحت التعذيب التي وثقتها منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، ووصفت التعذيب آنذاك بأنه ممارسة منهجية وواسعة النطاق.

وبعد سقوط النظام، أصبح منع انتقال ممارسات التعذيب وسوء المعاملة إلى الأجهزة الأمنية الجديدة أحد أبرز اختبارات إصلاح قطاع الأمن، وسط مطالبات حقوقية بوضع قواعد واضحة للتوقيف والتحقيق، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وإجراء تحقيق مستقل في كل حالة وفاة أثناء الاحتجاز.

وفي قضية غميرة، تبقى نتائج الطب الشرعي والتحقيق الذي تجريه وزارة الداخلية حاسمة في تحديد ما جرى داخل قسم شرطة الحفة، والعلاقة بين الاعتداء الذي تحدثت عنه أسرته ووفاته، فضلاً عن المسؤولية الفردية أو الإدارية عن الحادثة.

وبينما تنتظر عائلته النتائج، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية إن التحقيق الحالي سيقود أيضاً إلى مراجعة أوسع لأداء أقسام الشرطة، في مؤشر على أن تداعيات القضية قد تتجاوز المسؤولية عن وفاة غميرة إلى طريقة عمل أجهزة إنفاذ القانون نفسها.