أدانت محكمة الجنايات الرابعة، يوم الثلاثاء، وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السوري الهارب بشار الأسد، بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية، وصفتها بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وأعلن القاضي فخر الدين عريان قراراً بإعدامه، في حكم تناول أيضاً دوره ومجموعاته المسلحة في أحداث شهدتها منطقة المليحة بريف دمشق.
وصدر الحكم في 18 آب/أغسطس 2026، بعد محاكمة بحثت في وقائع تعود إلى سنوات الثورة السورية، من بينها مجزرة المليحة وعمليات قتل واحتجاز وتعذيب، إضافة إلى اتهامات جنائية أخرى.
مجزرة المليحة ودور المتهم
وقالت المحكمة في قرارها إن مجزرة وقعت عام 2013 على الطريق الواصل بين المليحة وزبدين في الغوطة الشرقية، إثر قصف جوي أعقبه قصف مدفعي، ما أدى إلى مقتل نحو 75 مدنياً.
وبحسب ما أورده القرار نقلاً عن توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تعذر التعرف على نحو 30 جثة بسبب التفحم، فيما جرى توثيق أسماء 44 ضحية من سكان عدد من بلدات الغوطة الشرقية ومحيط دمشق.
وقالت المحكمة إنها خلصت إلى ثبوت وقوع المجزرة وحجمها، مشيرة إلى أن القصف شاركت فيه الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والطيران الحربي.
وربط القرار بين تلك الوقائع ودور المتهم والمجموعتين اللتين كانتا تعملان تحت قيادته، معتبراً أن نشاطهما شكّل جزءاً من “مشروع إجرامي مشترك” استهدف السكان المدنيين.
المحكمة: مشروع لقمع الحراك بدأ في مارس 2011
وقالت المحكمة إنها ثبت لديها، وفق القرار، إقامة “مشروع إجرامي مشترك” هدفه قمع الحراك الشعبي الذي انطلق في سوريا في مارس/آذار 2011 وإخماده من خلال ارتكاب جرائم واسعة ومنهجية بحق المدنيين، شملت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري.
وأضاف القرار أن المشروع نشأ، بحسب ما توصلت إليه المحكمة، بقرار من قمة السلطة السياسية والأمنية في عهد بشار الأسد، وبمشاركة تشكيلات عسكرية وأمنية، في مقدمتها الفرقة الرابعة والقوات المساندة لها.
واعتبرت المحكمة أن وسيم الأسد كان أحد عناصر التنفيذ المحلي لهذا المشروع، مستندة إلى استمراره في النشاط لأكثر من عامين وتكرار نمط الانتهاكات، فضلاً عما وصفته بتبادل التقارير وغياب المساءلة.
وقالت إن هذه الوقائع شكّلت، في تقديرها، قرائن على علم المتهم بالغرض المشترك وقبوله بالوسائل المستخدمة لتحقيقه.
خطف وتعذيب وقتل ثلاثة معتقلين
وتناول الحكم واقعة أخرى تعود إلى عام 2012، قالت المحكمة إن دورية مسلحة تابعة للمتهم داهمت محلاً تجارياً في جرمانا واستولت على محتوياته بقوة السلاح ومن دون سند قضائي، قبل أن تختطف صاحب المحل وتنقله إلى مكان مجهول.
ووفق القرار، ارتبط استهداف الرجل بمشاركته في التظاهر والاشتباه بانتمائه إلى مجموعة معارضة مسلحة، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً على أن دوافع الاعتقال كانت سياسية ومرتبطة بموقف الضحية من السلطة آنذاك.
وقالت المحكمة إن الضحية ومعتقلين آخرين تعرضوا لتعذيب شديد في موقع احتجاز غير رسمي وخارج الإشراف القضائي.
وأضاف القرار أن ثلاثة معتقلين قُيدوا وقُتلوا وهم عزل وخارج أي عملية قتالية، قبل أن يأمر قائد المجموعة بإلقاء جثثهم في بساتين المليحة، ما أدى إلى إخفاء مصيرهم وحرمان عائلاتهم من معرفة أماكن دفنهم.
وبناءً على هذه الوقائع، قررت المحكمة إحالة نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين للبحث عن رفات الأشخاص الذين وردت إفادات عن دفنهم في بساتين المليحة عام 2012.
شهادة عن تهديد باغتصاب زوجة معتقل
وأورد الحكم شهادة محمية تحدثت عن اختطاف أحد أبناء حي الميدان في دمشق مع زوجته، وقالت المحكمة إن المجموعة هددت الرجل باغتصاب زوجته مقابل العفو عنه.
كما قال الشاهد المحمي، بحسب القرار، إنه نجا من القتل بعد إفصاحه عن كونه مسيحياً.
ورأت المحكمة أن هذه الواقعة تحمل دلالة على استخدام الانتماء الديني معياراً في فرز بعض الضحايا، وناقشت، على أساس الوقائع والأدلة، مسؤولية المتهم بصفته قائداً للمجموعات المرتبطة به.
تبرئة من الاتجار بالمخدرات
وفي مسار منفصل، برأت المحكمة وسيم الأسد من جنايتي تهريب المواد المخدرة والاتجار بها لعدم كفاية الأدلة.
وقالت إنه لم تُضبط بحوزته أي مواد مخدرة، ولم يجرِ تحليل مخبري يثبت حيازته لها، مضيفة أن ظهوره في صورة مع شخص معروف بالاتجار بالمخدرات لا يشكل بمفرده دليلاً كافياً لإدانته.
وتركت المحكمة الباب مفتوحاً أمام النيابة العامة لإقامة الدعوى مجدداً في هاتين التهمتين إذا ظهرت أدلة جديدة.
جرائم ابتزاز وتهديد واستيلاء بقوة السلاح
وقالت المحكمة إن الأدلة أثبتت أيضاً استغلال المتهم صلة قرابته ببشار الأسد وارتكابه جرائم ابتزاز وتهديد واستيلاء على ممتلكات بقوة السلاح وإطلاق النار على مدنيين.
لكن المحكمة صنفت هذه الأفعال على أنها جرائم عادية تخضع للقانون الوطني، ولم تعتبرها، في الوقائع التي نظرتها، ضمن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.
وأضافت أنها حجبت عن المتهم الأسباب المخففة التقديرية بالنظر إلى جسامة الجرائم وعدد الضحايا.
الإعدام ودمج العقوبات
وقررت المحكمة بالإجماع تجريم وسيم الأسد بجنايات القتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص والقتل المقترن بأعمال التعذيب، بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إضافة إلى الاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والحرمان من الحرية والتعذيب.
وقضت بإعدامه عن هذه الجرائم.
كما جرمته بجناية الإيذاء قصداً المفضي إلى عجز دائم، وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات، وأدانته بجرم الاحتيال بعد تعديل الوصف الجرمي، وقضت بحبسه ثلاث سنوات وتغريمه ألف ليرة سورية.
وقررت المحكمة دمج العقوبات المانعة للحرية وتنفيذ العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع جمع الغرامات وتنفيذها.
مصادرة الأموال وتعويض الضحايا
وثبتت المحكمة الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة وحولته إلى حجز تنفيذي، وألزمته بتعويض المدعين الشخصيين الذين قبلت دعاواهم، وفق جدول التعويضات المدنية المرفق بالحكم.
كما احتفظت بحقوق بقية المتضررين وذوي الضحايا والمفقودين الذين لم يتقدموا بادعاءات شخصية حتى الآن في اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة.
وقررت مصادرة أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة لصالح الخزانة العامة بعد تنفيذ الالتزامات المدنية، مع الاحتفاظ بحق الجهات الرسمية في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمال والمرافق العامة.
الباب مفتوح لملاحقة مسؤولين آخرين
واحتفظ الحكم بحق النيابة العامة في ملاحقة مسؤولين ومساهمين وشركاء آخرين لم تشملهم القضية الحالية، وفتح ملفات بحقهم مستقبلاً متى توافرت الأدلة.
كما أمرت المحكمة باستمرار إجراءات حماية الشهود بعد صدور الحكم، وحفظ هويات المشمولين بالحماية في ملف سري مغلق، وحظرت نشر أو تداول أي معلومات يمكن أن تكشف هوياتهم أو أماكن إقامتهم.
وصدر القرار وجاهياً بحق النيابة العامة والجهة المدعية والمتهم، وبمثابة الوجاهي بحق المدعين الغائبين، وقالت المحكمة إنه قابل للطعن بالنقض.
بدأت محاكمة وسيم الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بدمشق في 23 يونيو/حزيران 2026، بوصفه أول فرد من عائلة الأسد يمثل أمام القضاء بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وكانت السلطات السورية قد ألقت القبض عليه في 21 حزيران/يونيو 2025، في خطوة اعتبرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان آنذاك ذات دلالة في مسار ملاحقة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق.
وخلال جلسات المحاكمة، استمعت المحكمة إلى شهادات وناقشت اتهامات تتعلق بتشكيل مجموعات مسلحة وارتكاب جرائم قتل وتعذيب واحتجاز، إلى جانب ملفات جنائية أخرى. وفي الجلسة الثالثة، التي عقدت في 22 يوليو/تموز، طلبت النيابة العامة إنزال عقوبة الإعدام بالمتهم.
وفي 5 أغسطس/آب، اختتمت المحكمة جلستها الخامسة، وحددت 18 أغسطس/آب موعداً للمداولة والنطق بالحكم، قبل أن تصدر قرارها بإدانته وتنفيذ العقوبة الأشد بحقه.