أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين السورية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوم الثلاثاء، إحراز تقدم وصفته الجهتان بأنه «الأهم حتى تاريخه» في التعاون بشأن الملف النووي السوري، بعد زيارة المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إلى سوريا يومي 17 و18 أغسطس/آب، والتي شملت موقعاً في محافظة دير الزور وموقعاً ثانياً مرتبطاً بمواد نووية أعلنت دمشق العثور عليها مؤخراً.
وجاء الإعلان في بيان مشترك صدر عقب لقاء غروسي بوزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني، في إطار الجهود الرامية إلى معالجة مسائل الضمانات العالقة المرتبطة بأنشطة نووية غير معلنة تعود إلى فترة النظام السابق.

زيارة غروسي إلى موقع دير الزور
وبحسب البيان المشترك، اطلع غروسي خلال زيارته إلى دير الزور على أعمال الحفر التي تنفذها السلطات السورية، كما عاين معالم في الموقع ترتبط بتقييم الوكالة للأنشطة ذات الصلة بالمجال النووي التي كانت تجري فيه سابقاً.
وأكد الجانبان أن أعمال الحفر والتحقق ستستمر وفق خطوات عملية وجدول زمني متفق عليهما بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتكتسب زيارة الموقع أهمية خاصة نظراً لارتباط دير الزور بملف المنشأة التي استهدفتها إسرائيل بغارة جوية عام 2007، والتي خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في السنوات الماضية إلى وجود مؤشرات على أنها كانت ذات طبيعة نووية.
وتأتي هذه التطورات في وقت أعادت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية فتح ملف الأنشطة النووية السورية السابقة بصورة أكثر مباشرة. وكانت وكالة رويترز قد نقلت في تغطيتها عن مسؤولين ومصادر مرتبطة بالملف أن عمليات التحقق الجديدة تركز على تحديد طبيعة الأنشطة التي جرت في مواقع سورية مرتبطة بالبرنامج النووي السابق، في حين أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن عودة مفتشي الوكالة والوصول إلى مواقع في دير الزور تمثل تطوراً مهماً في قضية بقيت عالقة لسنوات.
مواد نووية في موقع لم يكن معلناً سابقاً
ويشير البيان إلى أن التعاون الحالي يشمل أيضاً موقعاً ثانياً لم يكن معلناً سابقاً، أعلنت سوريا في 17 يوليو/تموز 2026 وجود مواد نووية فيه.
وقالت الوكالة إن دمشق قدمت معلومات وأتاحت الوصول إلى الموقع والمواد وفق اتفاق الضمانات المبرم بينها وبين الوكالة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وبحسب البيان، أُنجز تفتيش أولي للمواد النووية التي أعلنت عنها سوريا، فيما يستمر العمل لاستكمال عملية التفتيش وإخضاع المواد لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وكان المدير العام للوكالة رافائيل غروسي قد قال، وفق ما نقلته وكالة رويترز في تغطيتها، إن مفتشي الوكالة عثروا خلال أعمال التحقق على «بضعة أطنان» من المواد النووية في الموقع الذي أعلنت عنه سوريا، وهو ما يضيف عنصراً جديداً إلى التحقيق الدولي في البرنامج النووي السوري السابق. وأوضحت رويترز أن وجود هذه المواد لا يعني بحد ذاته أنها كانت مستخدمة في برنامج لصنع سلاح نووي، وأن تحديد طبيعتها ومصدرها والغرض منها يحتاج إلى استكمال عمليات التحقق.
وفي السياق نفسه، أفادت وكالة فرانس برس بأن الإعلان عن المواد النووية يأتي في إطار تعاون سوري جديد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن عمليات التفتيش تهدف إلى تحديد طبيعة المواد والأنشطة المرتبطة بها، بالتوازي مع التحقيق في المواقع التي سبق أن أثارت أسئلة لدى الوكالة.
غير أن البيان السوري–الدولي لم يربط هذه الكميات مباشرة بموقع الكِبر المدمر، بل ميّز بوضوح بين موقع دير الزور والموقع الثاني الذي توجد فيه المواد النووية المكتشفة حديثاً.
دمشق تؤكد مسؤوليتها عن المواد النووية
وأكد وزير الخارجية السوري، وفق البيان، التزام دمشق بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وبالتنفيذ الكامل لاتفاق الضمانات.
وقال إن سوريا هي التي بادرت إلى إطلاع الوكالة على المسائل المتعلقة بالمواد والمواقع، معتبراً أن الشفافية في هذا الملف جزء من سياسة سوريا الجديدة بعد ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما شدد الوزير على أن الدولة السورية تمارس مسؤولياتها السيادية على جميع المواد النووية الموجودة على أراضيها، وأن هذه المواد تبقى في العهدة الوطنية السورية، مع استمرار دمشق في الوفاء بالتزاماتها الدولية.
من جهته، رحب غروسي بما وصفه البيان بأنه انخراط سوري «شفاف وشامل» مع الوكالة، مشيراً إلى المعلومات التي قدمتها دمشق وإلى إتاحتها الوصول إلى المواقع والمواد ذات الصلة.
ويأتي الموقف السوري في وقت وصفت فيه وكالة الأنباء الألمانية التعاون بين دمشق والوكالة بأنه خطوة مهمة في مسار معالجة الملف النووي العالق، مع تركيزها على إتاحة الوصول إلى المواد والمواقع أمام مفتشي الوكالة، وعلى انتقال القضية من مرحلة الاتهامات المتبادلة إلى مسار تحقق رسمي بين الحكومة السورية والمؤسسة الدولية المختصة.
من الكِبر إلى مرحلة جديدة من التحقيق الدولي
ويعود أصل القضية إلى موقع الكِبر في محافظة دير الزور، الذي دمرته إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2007، بعدما قالت إسرائيل إن المنشأة كانت مشروعاً نووياً سرياً.
وفي يونيو/حزيران 2011، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن المبنى الذي دمرته إسرائيل كان «على الأرجح» مفاعلاً نووياً لم تعلن عنه سوريا، كما استمر ملف الضمانات مفتوحاً بسبب عدم قدرة الوكالة على التحقق بصورة كاملة من طبيعة الأنشطة والمواد المرتبطة به.
وأعادت وكالة أسوشيتد برس في تغطيتها للتطورات الحالية التذكير بخلفية موقع دير الزور، مشيرة إلى أن المنشأة التي دمرتها إسرائيل عام 2007 كانت محور التحقيق الدولي في الأنشطة النووية السورية غير المعلنة، وأن التعاون الحالي بين دمشق والوكالة يتيح للأخيرة الوصول إلى مواقع ومواد لم يكن بإمكانها التحقق منها بصورة كاملة في السابق.
وبعد التطورات السياسية التي شهدتها سوريا منذ أواخر عام 2024 وسقوط نظام الأسد، فتحت دمشق الباب أمام تعاون أوسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما أتاح استئناف عمليات الوصول والتحقق من مواقع ومواد مرتبطة بالملف القديم.
وفي تغطيتها للتطورات، ربطت وكالة فرانس برس بين الزيارة الحالية لغروسي وبين المساعي الرامية إلى تسوية الأسئلة التي بقيت معلقة منذ سنوات بشأن البرنامج النووي السوري، معتبرة أن الوصول الميداني إلى المواقع يمثل عنصراً أساسياً في قدرة الوكالة على تكوين صورة أكثر اكتمالاً عن طبيعة الأنشطة السابقة.
نحو تقرير جديد إلى مجلس المحافظين
وبحسب البيان المشترك، ستستمر عمليات التفتيش والتحقق إلى حين استكمال الخطوات المتفق عليها بين الطرفين.
وعند الانتهاء من هذه الأعمال، سيقدم المدير العام للوكالة نتائج واستنتاجات التحقيق إلى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أقرب موعد ممكن، على أن ينظر المجلس في الملف خلال دورته المقبلة.
ويقول البيان إن الهدف النهائي هو التوصل إلى تسوية كاملة لمسائل الضمانات العالقة، بالتوازي مع توسيع التعاون بين سوريا والوكالة في مجال الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية.
وتشير تغطية وكالة رويترز إلى أن التقرير الذي سيرفعه غروسي إلى مجلس المحافظين سيكون محطة أساسية في تحديد ما إذا كانت المعلومات والمواد التي يجري التحقق منها قادرة على الإجابة عن الأسئلة القديمة المتعلقة بالأنشطة النووية السورية. أما وكالة الأنباء الألمانية، فركزت على أن استكمال عمليات التحقق قد يمهد لإغلاق جزء من الملف العالق وفتح مسار أوسع للتعاون النووي السلمي بين سوريا والوكالة.
وبذلك، فإن التطور الأبرز في ملف الكِبر ودير الزور لا يتمثل، وفق المعلومات المعلنة حتى الآن، في اكتشاف نشاط نووي جديد، وإنما في انتقال الملف من مرحلة الاتهامات والأسئلة غير المحسومة إلى مرحلة تحقيق ميداني مباشر بين الحكومة السورية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تشمل الموقع في دير الزور ومواد نووية أعلنت دمشق عنها في موقع آخر.
ويظل الفصل بين الموقعين مهماً في قراءة التطورات الأخيرة، إذ إن البيان المشترك لا يقول إن «بضعة أطنان» من المواد النووية عُثر عليها في موقع الكِبر نفسه، وإنما يوضح أن زيارة غروسي شملت موقع دير الزور وموقعاً ثانياً مرتبطاً بالمواد النووية التي أعلنت سوريا عنها، فيما تستمر أعمال الحفر والتحقق في دير الزور بالتوازي مع عمليات التفتيش على المواد الموجودة في الموقع الآخر.