مؤتمر في دمشق يطرح مسارات عملية لتعزيز حقوق الإنسان والسلم الأهلي في سورية

حجم الخط

اختُتمت في دمشق، يوم الثلاثاء 18 آب، أعمال مؤتمر «تعزيز حقوق الإنسان والسلم الأهلي في سورية»، الذي نظمته مؤسسة شام لحقوق الإنسان برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تحت شعار «حوارات من أجل مجتمع متماسك وآمن»، بمشاركة ممثلين عن جهات حكومية وهيئات وطنية وأعضاء في مجلس الشعب وشخصيات دينية وأكاديمية ومدنية.

وسعى المؤتمر، الذي جمع أطرافاً من خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية واقتصادية مختلفة، إلى الانتقال من طرح السلم الأهلي بوصفه هدفاً عاماً إلى البحث في آليات عملية لتعزيزه، مع التركيز على حقوق الإنسان والمواطنة والعدالة الانتقالية والصلح المجتمعي.

العدالة الانتقالية بوابة لتعزيز السلم الأهلي

وفي الجلسة المخصصة لدور الدولة ومؤسساتها والقطاع العام في تعزيز المواطنة والسلم الأهلي، عرض أستاذ علم الاجتماع وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الدكتور حسن جبران، مقاربة تربط بين العدالة الانتقالية وبناء السلام.

وأوضح جبران لـ«سوريا 24» أن التجربة التي عرضها أمام المشاركين تقوم على خمسة مسارات للسلام، تشمل المسار الاقتصادي والاجتماعي والأمني والثقافي والفكري، إلى جانب الاستجابة للحالات الطارئة.

ويرى جبران أن جمع المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية ضمن مسار منسق يمكن أن يفتح المجال أمام برامج مشتركة تعزز حقوق الإنسان والسلم الأهلي، مشيراً إلى أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ستستفيد من التوصيات التي تنسجم مع رؤيتها وخطة عملها السنوية.

من التشبيك إلى حلول قابلة للتطبيق

وأكدت ممثلة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في المنطقة الساحلية، جولي خوري، في تصريح لـ«سوريا 24»، أن دور الوزارة في ملف السلم الأهلي ينطلق من مسؤوليتها عن مختلف الفئات الاجتماعية، عبر العمل مع المنظمات والجمعيات والنساء والشباب والأطفال ومكونات المجتمع المحلي.

وقالت إن الهدف من المؤتمر هو الوصول إلى مخرجات عملية، أبرزها زيادة التشبيك والتنسيق بين الحكومة والمجتمع المدني، وإيجاد حلول للقضايا التي تعيق السلم الأهلي، مع تفعيل أدوار رجال الدين والمرأة والمجتمع المحلي والمؤسسات الحكومية.

وترى خوري أن تحويل التجربة إلى لقاءات في مختلف المحافظات يمكن أن يساعد على تعميمها، بحيث يصبح العمل على السلم الأهلي أكثر ارتباطاً بالمشكلات المحلية وحلولها الواقعية.

مواجهة التحريض وحماية التماسك المجتمعي

وركز الدكتور محمد حبش، في تصريحه لـ«سوريا 24»، على التحديات التي تواجه المجتمع السوري خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما الانقسامات المذهبية والطائفية والاجتماعية والسياسية، معتبراً أن تعزيز الوحدة والسلم الأهلي من أهم المسؤوليات في هذه المرحلة.

وأشار حبش إلى أن هناك انقسامات مجتمعية خطيرة، مؤكداً ضرورة عدم تعميم توصيفات سياسية على جيل كامل عاش في ظل الحكم الاستبدادي، لأن ذلك قد يخلق شعوراً بالظلم لدى شرائح واسعة من المجتمع.

وشدد على أهمية استعادة تاريخ التماسك والوحدة الوطنية في سورية، ورفض الخطابات والممارسات التي تسيء إلى الوحدة السورية ومجتمعها، مؤكداً أن المشاركين يسعون إلى تقديم ما يستطيعون من أجل تعزيز الوحدة الوطنية.

وفيما يتعلق بالخطاب الديني، دعا حبش إلى العمل على إصدار قانون يحد من التحريض، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من أعضاء مجلس الشعب، تجاوز 15 نائباً وفق تصريحه، شاركوا في المؤتمر وحملوا توجهاً مشتركاً نحو العمل على منع التحريض والدعوة إلى احترام السوريين بعضهم لبعض.

كما تحدث عن مشروع «سوريا الجميلة» الذي يركز على احترام مختلف الهويات والمكونات السورية، مؤكداً أهمية احترام الهوية الخاصة لكل مكوّن ضمن إطار وطني جامع.

واعتبر حبش أن الخطاب الديني المعتدل يمكن أن يساعد الدولة والحكومة في إنجاح المرحلة الانتقالية، ولوزارة الأوقاف في ذلك دور كبير.

المرأة شريك في بناء السلام

من جانبها، شددت أسماء كفتارو على أهمية حضور المرأة في المرحلة الانتقالية، معتبرة أن تغييبها عن صناعة سورية الجديدة يمثل عائقاً أمام بناء دولة تعكس تطلعات المجتمع.

وأوضحت كفتارو لـ«سوريا 24» أن المشاركات لا يدّعين تمثيل جميع النساء السوريات، لكنهن يسعين إلى نقل القضايا التي تمس شريحة واسعة من النساء إلى دوائر صنع القرار، مؤكدة أن المرأة ينبغي أن تكون شريكاً في بناء دولة المواطنة والقانون والعدالة.

وربطت بين السلم الأهلي ودور الخطاب الديني المعتدل، داعية إلى اعتماد الاعتدال والتوسط في المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية والقانونية، باعتبار ذلك مدخلاً إلى بناء عقد اجتماعي أكثر انفتاحاً وتماسكاً.

«أن يشعر الإنسان بأنه في دولة»

أما مدير فرع حمص في مؤسسة شام لحقوق الإنسان، خضر إبراهيم، فاختصر أحد المطالب الأساسية للمؤتمر في استعادة شعور المواطن بوجود الدولة، وبأنه «إنسان له حقوق وعليه واجبات».

وقال في تصريحه لـ«سوريا 24» إن الدعوات شملت شرائح متعددة من المجتمع، من الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية إلى ممثلي الوزارات والمؤسسات، بهدف ألا يقتصر النقاش على فئة واحدة، بل يعكس تنوع المجتمع السوري.

وبحسب إبراهيم، فإن السلم الأهلي يرتبط بالتعايش المشترك ونبذ الطائفية والعنف، وبإعادة بناء علاقة واضحة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات.

توصيات تتجه نحو التنفيذ

وخرج المؤتمر بمجموعة من التوصيات والمقترحات التي تتجاوز الدعوة العامة إلى السلام، وتتجه نحو بناء آليات متابعة وتشريعات وبرامج مستمرة.

وشملت التوصيات إطلاق حوار وطني حول السلم الأهلي، وإنشاء لجنة للتسامح المذهبي والحوار الاجتماعي تضم القيادات الدينية، وتشكيل لجنة معنية بالتشريعات الخاصة بحماية السلم الأهلي، إلى جانب إنشاء لجنة متابعة وتنسيق لمخرجات المؤتمر ووضع خطط تنفيذية لمسار وطني مستمر.

كما تضمنت التوصيات حماية الخطاب الوطني من التحريض، وتعزيز المسار الثقافي، وتمكين المرأة والشباب، وتشجيع المؤسسات والفعاليات الوطنية على المشاركة في مبادرات الحوار والمصالحة.

وفي الإطار نفسه، طُرحت خلال المؤتمر مجموعة من المقترحات، بينها إنشاء منصة وطنية للاعتذار، وإعداد قانون جديد للأحوال الشخصية يراعي مصالح النساء، والتعامل مع الفرز السياسي بوصفه ظاهرة مرتبطة بظروف اجتماعية معقدة، ودعم جمعيات نسوية سورية للانتقال من الصراع الجندري إلى المساواة، وإطلاق برنامج «صانعات السلام»، إضافة إلى إطلاق حوار وطني برعاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.