بعد مقتل ابنتها في المخيم.. عائدة من «الهول» تصارع السرطان والوحدة

حجم الخط

عادت رشدة إلى منزلها في بلدة الباغوز بريف دير الزور الشرقي بعد خمس سنوات أمضتها في مخيم الهول، لكنها لم تجد في العودة نهاية لمعاناتها.

فبين مرض السرطان، والفقر، وضعف البصر، وفقدان ابنتها الوحيدة داخل المخيم، بدأت مرحلة جديدة من الصراع اليومي من أجل العلاج والبقاء.

وتعاني رشدة منذ نحو عامين من سرطان في الكبد، بحسب أفراد من أسرتها، إلى جانب ضعف شديد في النظر، وآلام متكررة في المعدة، ومشكلات صحية أخرى تحد من قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية.

وقال مقربون منها إن الأسرة لم تخبرها حتى الآن بحقيقة التشخيص كاملاً، خشية أن يؤدي ذلك إلى تدهور حالتها النفسية، خصوصاً بعد سنوات أمضتها في المخيم وفقدان ابنتها الوحيدة.

وتحتاج رشدة إلى متابعة طبية منتظمة وفحوصات وأدوية، إضافة إلى علاج لمشكلة حادة في العين تتطلب تدخلاً طبياً لسحب السوائل، غير أن ضعف إمكاناتها المالية يحول دون حصولها على الرعاية التي تحتاجها.

ولا تملك المرأة مصدراً ثابتاً للدخل، كما تعجز عن تحمل تكاليف التنقل إلى المراكز الطبية وثمن الأدوية والفحوصات الدورية.

فقدان داخل المخيم

وخلال وجودها في الهول، فقدت رشدة ابنتها الوحيدة في حادثة تقول هي ومقربون منها إن عناصر من تنظيم «داعش» قتلوها بسبب تشابه في الأسماء.

ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من ملابسات الواقعة، لكن فقدان ابنتها ترك رشدة من دون أبناء يمكنهم مساعدتها في العلاج أو تحمل أعباء حياتها اليومية.

وتعتمد حالياً على مساعدات محدودة يقدمها بعض الأقارب والمحيطين بها، في غياب جهة تتولى بصورة منتظمة علاجها أو رعايتها الاجتماعية.

وكان مخيم الهول قد استقبل عشرات الآلاف من السوريين والعراقيين والأجانب خلال المراحل الأخيرة من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، ولا سيما مع معارك هجين والباغوز أواخر 2018 ومطلع 2019.

وتجاوز عدد سكان المخيم في ذروة الاكتظاظ 70 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، قبل أن تبدأ منذ منتصف 2019 عمليات تدريجية لإعادة السوريين إلى مناطقهم الأصلية في دير الزور والرقة والحسكة وحلب ومناطق أخرى.

وغادر آلاف السوريين المخيم منذ ذلك الحين ضمن دفعات متتالية، بعضها جرى بترتيبات محلية وضمانات عشائرية، فيما استمرت عمليات العودة خلال 2024 و2025 بالتنسيق مع جهات محلية ومنظمات دولية.

لكن العودة، بالنسبة إلى كثيرين، لم تكن نهاية الأزمة.

تحديات ما بعد الهول

وتقول منظمات إن العائدين من المخيم يواجهون مشكلات متداخلة تتعلق بالسكن والوثائق المدنية وفرص العمل والوصول إلى العلاج، إضافة إلى آثار نفسية واجتماعية خلفتها سنوات النزوح والاحتجاز والفقدان.

وتظهر هذه الصعوبات بصورة أشد لدى المرضى وكبار السن والنساء اللواتي فقدن أفراداً من أسرهن أو معيلهن الأساسي.

وفي بعض الحالات، يحتاج العائدون إلى استكمال إجراءات تتعلق بإثبات الزواج والنسب واستخراج الوثائق، إلى جانب الحصول على رعاية صحية متخصصة، خصوصاً لمن يعانون من أمراض مزمنة أو خطرة.

ولا تتوافر بيانات رسمية موحدة تحدد العدد الإجمالي للسوريين الذين عادوا من الهول منذ بدء عمليات الخروج، إذ توثق الجهات المختلفة الدفعات والقوافل بصورة منفصلة.

عودة لا تنهي المعاناة

كانت الباغوز آخر جيب كبير لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا قبل سقوطه في آذار/مارس 2019، ومنها خرج آلاف المدنيين في اتجاه مخيم الهول خلال الأسابيع الأخيرة من المعارك.

وبعد سنوات، عاد بعض هؤلاء إلى بلداتهم وقراهم، لكن كثيراً منهم وجدوا منازل متضررة وخدمات محدودة واقتصاداً محلياً يعاني من آثار الحرب.

وهكذا، لم تعنِ العودة بالنسبة إلى رشدة استعادة الحياة التي كانت تعرفها قبل المخيم. فقد عادت إلى المكان نفسه، لكن من دون ابنتها، وبجسد أنهكه المرض، وبقدرة محدودة على تأمين احتياجاتها الأساسية.

ويقول مقربون منها إن أولويتها الحالية هي الحصول على الفحوصات والأدوية والعلاج اللازم لمرض الكبد والعين، إضافة إلى مساعدة اجتماعية ونفسية أكثر انتظاماً.

بعد خمس سنوات في الهول، لم تعد رشدة تنتظر الخروج من المخيم، لكن سنوات الانتظار تلك استُبدلت، على ما يبدو، بانتظار من نوع آخر: خدمات صحية غائبة، ومعيل مفقود، ومساعدة تعينها على مواصلة حياتها. وتقول في ختام حديثها: «أريد من يعينني على متابعة مسيرتي في الحياة».