دخلت قرارات جديدة تتعلق برسوم الانتساب إلى نقابة المحامين والوكالات القضائية والعدلية حيّز التنفيذ، في وقت يواجه فيه السوريون ضغوطاً اقتصادية متزايدة، ما أعاد النقاش حول كلفة ممارسة مهنة المحاماة وانعكاسها على المتقاضين وخريجي الحقوق.
وتشمل الزيادات رسوماً مرتبطة بالوكالات والطوابع وإجراءات أخرى، إلى جانب رفع رسم الانتساب إلى النقابة من 300 ألف إلى 6 ملايين ليرة سورية، مع تفاوت الرسم تبعاً لسن المتقدم.
وبينما ترتبط هذه الرسوم بتمويل الخدمات والصناديق النقابية وتنظيم المهنة، يرى محامون وخريجو حقوق أن ارتفاعها يفرض أعباء إضافية على الراغبين في دخول المهنة وعلى المواطنين الذين يحتاجون إلى خدمات قانونية.
ارتفاع رسوم الوكالات
بدأ تطبيق الزيادات على رسوم الوكالات القضائية والعدلية اعتباراً من الأول من نيسان، وشملت الوكالات البدائية والشرعية والعقود والشركات.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة، ارتفعت تكلفة الوكالة العدلية إلى ما بين 75 ألفاً و100 ألف ليرة سورية، فيما بلغت تكلفة الوكالة القضائية مع الطوابع ما بين 130 ألفاً و205 آلاف ليرة سورية.
كما ارتفع رسم الانتقال من 500 ليرة إلى 4 آلاف ليرة سورية، فيما أصبح طابع المرافعة المحمول بقيمة 3 آلاف ليرة، ويُلصق على أصل السند أو الطعون.
وتضاف هذه الرسوم إلى أتعاب المحامي وتكاليف التنقل وغيرها من النفقات التي يتحملها المتقاضي بحسب طبيعة القضية ومكانها والإجراءات المطلوبة لمتابعتها.
إسماعيل بشور، من دمشق، حاصل على شهادة الحقوق منذ سبع سنوات، لكنه ابتعد حالياً عن العمل في مجال المحاماة واتجه إلى التجارة. ويقول لـ”سوريا بلس” إن ارتفاع رسوم الوكالات يضيف عبئاً مالياً إلى المواطنين الذين يحتاجون إلى توكيل محامٍ ومتابعة قضاياهم.
ويرى بشور أن الحصول على المساعدة القانونية وتوكيل محامٍ يمثلان جزءاً أساسياً من إجراءات التقاضي، مشيراً إلى أن ارتفاع كلفة الوكالات يستدعي بحث أثر هذه الرسوم على المتقاضين وعلى المهنة.
رسم الانتساب من 300 ألف إلى 6 ملايين
على مستوى الانتساب إلى المهنة، رفعت نقابة المحامين المركزية رسم الانتساب من 300 ألف إلى 6 ملايين ليرة سورية، مع ارتفاع تدريجي بحسب سن المتقدم.
وأثار القرار اعتراضات بين عدد من خريجي الحقوق، الذين يرون أن قيمة الرسم تشكل عبئاً مالياً إضافياً في بداية حياتهم المهنية.
المحامي المتمرن باسل مقداد، الذي يخضع لفترة تدريب مهني في أحد مكاتب المحاماة في دمشق، يقول لـ”سوريا بلس”: “المحاماة لها مكانة عالية، لكن الرسوم الحالية تجعلها بعيدة عن كثير من الخريجين.”
من جهتها، تقول المحامية سارة العوض، التي تعمل في شركة خاصة، إن التدريب المهني يجب أن يرتبط بالكفاءة وليس بالمدة فقط، وترى أن قيمة القسط تستدعي طرحها للنقاش وإعادة النظر فيها.
أما أدهم بكري، الطالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، فيشير إلى تفاوت الرسوم بحسب أعمار المتقدمين، قائلاً إن بعض مواليد الثمانينيات يدفعون رسوماً تتجاوز 300 ألف ليرة ضمن بعض الاستحقاقات، معتبراً أن هذه التكاليف تؤثر في قدرة عدد من الراغبين على الاستمرار في المسار المهني.
وتقترح المحامية يارا زيدان، التي تعمل في شركة خاصة في الشؤون القانونية بدمشق، تقسيط رسم الانتساب على ثلاث دفعات، مشيرة إلى أن عدداً من المتقدمين قد لا يستطيعون دفع المبلغ كاملاً دفعة واحدة.
أتعاب المحامين.. كلفة أخرى
ولا تتوقف الكلفة التي يتحملها المتقاضي عند الرسوم الرسمية، إذ تضاف إليها أتعاب المحامي.
وحددت النقابة الحد الأدنى للأتعاب عند تنظيم أي وكالة قضائية بـ7 آلاف ليرة سورية، إلا أن الأتعاب الفعلية تختلف بحسب نوع القضية ومكانها وخبرة المحامي والوقت الذي تستغرقه المتابعة.
ويشير عاملون في المهنة إلى أن التضخم وارتفاع تكاليف النقل انعكسا على الأتعاب، التي قد تصل في بعض القضايا إلى ملايين الليرات، مع اختلافها بين المدن والأرياف وبين المحامين حديثي الممارسة والأكثر خبرة.
وبذلك، تصبح الكلفة النهائية التي يتحملها المواطن مرتبطة بمجموعة من البنود، تبدأ من الرسوم والطوابع ولا تنتهي عند أتعاب المحامي وتكاليف التنقل والإجراءات المرافقة.
المحامي في مواجهة مباشرة مع الرسوم
من جانب آخر، يرى المحامي أحمد صبور، الذي ابتعد عن العمل في المهنة بسبب قلة الفرص والظروف المعيشية، أن الزيادات الجديدة تنعكس أيضاً على علاقة المحامي بموكليه.
ويقول صبور لـ”سوريا بلس” إن المحامي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجمهور عند تحصيل الرسوم والطوابع اللازمة لإنجاز المعاملات، رغم أن هذه المبالغ لا تدخل ضمن أتعابه، وإنما تُحصّل لصالح الجهات والصناديق المعنية.
ويشير إلى أن ارتفاع هذه التكاليف قد يجعل المواطن يربط بين المحامي والكلفة الإجمالية للمعاملة، في حين أن جزءاً من المبلغ المدفوع عبارة عن رسوم رسمية وطوابع.
بين تمويل النقابة وكلفة التقاضي
تفتح الزيادات الجديدة نقاشاً حول آليات تمويل النقابة وصناديقها، ولا سيما الصناديق المرتبطة بالتقاعد والخدمات المهنية والاجتماعية.
ويرى قانونيون، بحسب ما ورد في المادة، أن تأمين الموارد اللازمة للنقابة يمكن أن يترافق مع البحث عن مصادر دخل أخرى، مثل تنويع الاستثمارات والموارد النقابية، أو اعتماد رسوم تتناسب مع القيمة المالية للمعاملات، بدلاً من زيادة الأعباء على القضايا ذات القيمة المحدودة.
كما يطرح هذا النقاش مسألة التمييز بين الرسوم التي يتحملها أصحاب المعاملات ذات القيمة المالية المرتفعة، وبين الرسوم التي يدفعها المواطنون في قضايا أساسية مثل النفقة وتثبيت البيع وغيرها من القضايا التي تمس حياتهم اليومية.
في المقابل، تبقى الرسوم جزءاً من الإطار التنظيمي والمالي الناظم لعمل النقابة والإجراءات القضائية، ما يجعل أي تعديل عليها مرتبطاً بالجهات المختصة والأنظمة والقوانين المعمول بها.
كلفة التقاضي في ظل ظروف اقتصادية صعبة
لا يتعلق الجدل حول الرسوم بقيمتها فقط، بل بمدى تأثيرها على قدرة المواطنين على تحمل كلفة الإجراءات القانونية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالمواطن الذي يحتاج إلى توكيل محامٍ لا يدفع أتعاب المحامي فقط، بل يتحمل أيضاً تكاليف الوكالة والطوابع والتنقل وغيرها من النفقات المرتبطة بالقضية.
وفي المقابل، يواجه خريج الحقوق الراغب في دخول المهنة كلفة أولية مرتفعة، في وقت يحتاج فيه إلى التدريب واكتساب الخبرة قبل الوصول إلى دخل مهني مستقر.
وتضع هذه المعطيات مهنة المحاماة أمام نقاش يتجاوز قيمة الرسوم نفسها، ليشمل كيفية تحقيق التوازن بين احتياجات النقابة المالية، وقدرة الخريجين على دخول المهنة، وإمكانية المواطنين على تحمل كلفة الحصول على الخدمات القانونية.
ويبقى النقاش مفتوحاً حول آليات تخفيف هذه الأعباء، سواء من خلال إعادة النظر في بعض الرسوم، أو إتاحة خيارات للتقسيط، أو البحث عن موارد بديلة، بما يضمن استمرار الخدمات النقابية من جهة، وعدم تحول الكلفة المالية إلى عائق أمام ممارسة المهنة أو متابعة الحقوق من جهة أخرى.