يواجه الشباب في مدينة دمشق واقعاً اقتصادياً متزايد الصعوبة، مع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الأجور، ما جعل الحصول على وظيفة مستقرة تحدياً يطاول الخريجين والباحثين عن عمل على حد سواء.
وفي ظل سوق عمل محدود، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارات ضيقة، تبدأ بالعمل خارج الاختصاص، ولا تنتهي بالأعمال المؤقتة أو اليومية. وبينما تشكل سنوات الخبرة المطلوبة عائقاً أمام الخريجين الجدد، تدفع صعوبة العثور على وظيفة بعض الشباب إلى البحث عن مصادر دخل بديلة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
الشهادة الجامعية لا تضمن وظيفة
يقول شباب من مدينة دمشق لـ”سوريا 24″ إن الحصول على شهادة جامعية لم يعد كافياً لضمان فرصة عمل، في ظل اشتراطات توظيف تتطلب خبرة طويلة، فضلاً عن صعوبة المنافسة على الوظائف المتاحة.
ويصف أحد الشباب، الذي تحدث إلى “سوريا 24″، واقع الباحثين عن عمل بأنه بات مرتبطاً بالقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر من بناء مسار مهني أو التخطيط للمستقبل.
ويقول: “الشاب الذي لديه مسؤوليات لم يعد قادراً على التفكير في أحلامه أو تأسيس مستقبله. الحصول على وظيفة أصبح بحد ذاته بمثابة باب للفرج، سواء كان الشخص حاصلاً على شهادة جامعية أم لا، لأن فرص العمل قليلة، وحتى الوظائف المتاحة لا توفر دخلاً كافياً للمعيشة”.
ويضيف أبو مجد لـ”سوريا 24″: “الشاب اليوم يعمل بالدرجة الأولى لتأمين احتياجاته الأساسية. أما فكرة تأمين المستقبل فأصبحت صعبة جداً في ظل انخفاض الرواتب وانتشار المحسوبيات وقلة فرص العمل”.
سنوات الخبرة تعرقل دخول الخريجين إلى سوق العمل
وتبرز اشتراطات الخبرة بوصفها أحد أبرز العوائق أمام الخريجين الجدد، الذين يجدون أنفسهم أمام مفارقة تتمثل في ضرورة امتلاك خبرة للحصول على وظيفة، في حين أن اكتساب الخبرة يحتاج أساساً إلى فرصة عمل.
ويقول أحمد السلوم، 28 عاماً، من منطقة المزة في مدينة دمشق، لـ”سوريا 24″ إنه تقدم إلى عشرات الوظائف، إلا أن معظمها كان يشترط سنوات طويلة من الخبرة.
ويضيف: “تقدمت إلى عشرات الوظائف، وكان معظمها يشترط خمس سنوات من الخبرة. لكن كيف يمكن للخريج أن يكتسب هذه الخبرة إذا لم يحصل على فرصة للعمل؟ في النهاية، اضطررت إلى العمل في محل للحلويات براتب يبلغ نحو مليون ونصف المليون ليرة سورية، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجاتي. لذلك أفكر في إنشاء قناة على يوتيوب أقدم من خلالها محتوى متعلقاً بالمطبخ، على أمل أن توفر لي دخلاً إضافياً”.
وتعكس تجربة السلوم واقعاً يعيشه عدد من الخريجين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى العمل في مجالات لا تمت إلى تخصصاتهم بصلة، أو الانتقال بين وظائف مؤقتة، في محاولة لتأمين مصدر دخل.
العمل خارج الاختصاص خيار مفروض
ولا تتوقف الصعوبات عند الخريجين الجدد، إذ يجد بعض الشباب أنفسهم مضطرين إلى ترك تخصصاتهم والبحث عن أعمال بديلة، في ظل محدودية الفرص المتاحة في القطاعات المختلفة.
وتقول رنا الخطيب، 24 عاماً، من منطقة باب شرقي في مدينة دمشق، لـ”سوريا 24″: “تخرجت من الجامعة ولم أتمكن من العثور على عمل في مجال تخصصي. معظم الفرص محدودة، وهناك شعور لدى كثير من الشباب بأن العلاقات الشخصية تؤثر في الحصول على الوظائف. لذلك لجأت إلى وسائل التواصل الاجتماعي وأصبحت أقدم محتوى تعليمياً للطلاب”.
وتضيف: “العمل عبر هذه المنصات غير ثابت ولا يوفر الاستقرار، لكنه يبقى أفضل من عدم العمل، خصوصاً في ظل غياب البدائل”.
وتشير تجربة الخطيب إلى اتجاه متزايد لدى بعض الشباب نحو استثمار مهاراتهم وتخصصاتهم عبر الإنترنت، في محاولة لتحويل المعرفة أو الخبرة الشخصية إلى مصدر دخل، ولو بصورة غير مستقرة.
وسائل التواصل كنافذة للعمل
مع تضييق سوق العمل التقليدي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى خيار يلجأ إليه بعض الشباب لتأمين دخل إضافي أو البحث عن فرصة مهنية جديدة.
ويشمل ذلك إنشاء قنوات على يوتيوب، وإنتاج محتوى تعليمي أو مهني، وتقديم خدمات عبر المنصات الرقمية، إلى جانب محاولة بناء جمهور يمكن تحويله لاحقاً إلى مصدر دخل.
ويقول ليث حمود، 30 عاماً، من منطقة كفرسوسة في مدينة دمشق، لـ”سوريا 24″ إنه اضطر إلى تغيير طبيعة عمله بعد إغلاق المكتب الهندسي الذي كان يعمل فيه.
ويضيف: “كنت أعمل في مكتب هندسي، لكنه أُغلق، واضطررت بعدها إلى العمل في مجالات مختلفة، منها التوصيل والعمل في المتاجر، وأحياناً في أعمال مؤقتة. ساعدتني وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد ما، إذ أنشأت صفحة أقدم من خلالها نصائح هندسية، لكن بناء مصدر دخل مستقر من هذا العمل يحتاج إلى وقت طويل. المشكلة الأساسية أن فرص العمل التقليدية أصبحت محدودة جداً”.
وبالنسبة إلى حمود، لا تمثل المنصات الرقمية بديلاً كاملاً عن الوظيفة التقليدية، لكنها توفر مساحة يمكن من خلالها استثمار التخصص والخبرة ومحاولة الوصول إلى فرص جديدة.
فرصة بديلة لا تخلو من المخاطر
ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت مجالات جديدة أمام الشباب، فإن الاعتماد عليها كمصدر أساسي للدخل يبقى محفوفاً بعدم الاستقرار، بسبب ارتباط الوصول إلى الجمهور بالخوارزميات، وتذبذب العوائد، والحاجة إلى الاستمرار في إنتاج المحتوى لفترات طويلة قبل تحقيق مردود ملموس.
ويرى يوسف، أحد الشباب الذين تحدثوا إلى “سوريا 24″، أن اللجوء إلى المنصات الرقمية يمكن أن يكون خياراً إيجابياً عندما يقدم المحتوى فائدة حقيقية للمجتمع.
ويقول: “إذا كان المحتوى مفيداً ويقدم قيمة للناس، فلا مشكلة في الاستفادة منه كمصدر دخل. لكن من المهم أن يبقى ضمن إطار أخلاقي، وألا يتضمن تحريضاً أو إساءة أو محتوى فارغاً لا يقدم فائدة حقيقية”.
وتكشف هذه التجارب عن محاولة الشباب التكيف مع واقع اقتصادي متغير، باستخدام أدوات وفرص لم تكن جزءاً أساسياً من سوق العمل التقليدي، إلا أن هذه الخيارات لا تبدو قادرة وحدها على معالجة المشكلة الأوسع المرتبطة بضعف فرص العمل وغياب الاستقرار الوظيفي.
مستقبل مؤجل
تتداخل أمام شباب مدينة دمشق مجموعة من العوامل التي تجعل بناء مستقبل مستقر أكثر صعوبة، من بينها محدودية فرص العمل، وانخفاض الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، واشتراط سنوات من الخبرة أمام الخريجين الجدد، إضافة إلى ما يصفه بعض الشباب بانتشار المحسوبيات.
وتزيد هذه الظروف من اعتماد بعض الشباب على الأعمال المؤقتة أو العمل خارج تخصصاتهم، بينما يتجه آخرون إلى العمل الحر والمنصات الرقمية بحثاً عن بدائل تمكنهم من تأمين دخل ولو بصورة غير منتظمة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو مشاريع الاستقرار وتأسيس الأسرة وبناء مسار مهني طويل الأمد مؤجلة لدى شريحة من الشباب، في وقت أصبحت فيه الأولوية تأمين الاحتياجات اليومية.
وبين انتظار وظيفة قد لا تأتي، وقبول عمل لا يتناسب مع المؤهلات، ومحاولة بناء مصدر دخل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يسعى شباب مدينة دمشق إلى إيجاد مسارات بديلة في سوق عمل باتت فرصه أكثر ضيقاً.
غير أن هذه الحلول الفردية، رغم قدرتها على توفير متنفس مؤقت، لا تعالج جذور المشكلة، التي تتطلب توسيع فرص العمل، وتحسين مستويات الأجور، وفتح المجال أمام الخريجين الجدد لاكتساب الخبرة، بما يتيح للشباب الانتقال من مرحلة تأمين الاحتياجات اليومية إلى مرحلة التخطيط الفعلي للمستقبل.