حملت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك سلسلة من الرسائل السياسية والاقتصادية، من كشفه أمام الجالية السورية تفاصيل التسوية مع رجل الأعمال محمد حمشو، إلى مباحثاته مع أعضاء في الكونغرس الأميركي بشأن العلاقات بين دمشق وواشنطن.
وفي الوقت نفسه، برزت ملفات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والاستثمارات ضمن برنامج الزيارة، قبل كلمة مرتقبة للشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأربعاء.
ووصل الشرع إلى نيويورك مساء الاثنين للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، على رأس وفد يضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ووزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، وعدداً من المسؤولين.
وفي مستهل الزيارة، التقى الشرع أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة، وتناول خلال اللقاء ملفات داخلية واقتصادية ودور السوريين في الخارج.
لكن حديثه عن التسويات مع رجال أعمال ارتبطوا بالنظام السابق، وفي مقدمتهم محمد حمشو، كان من أبرز ما خرج من اللقاء.
وقال الشرع إن السلطات صادرت نحو 80% من أموال حمشو، وأبقت له على الجزء الذي لم يثبت أنه مكتسب بطريقة غير مشروعة.
وفي المقابل، أكد أن التسوية المالية لا تعني إعفاء حمشو من الملاحقة القضائية في قضايا أخرى.
وبرر الشرع عدم مصادرة كامل أموال حمشو بالحفاظ على الشركات والعاملين فيها، وقال إن تلك الشركات يعمل فيها نحو 40 ألف شخص.
وأضاف أن المصادرة بطريقة تعسفية قد تؤدي إلى فقدان هؤلاء مصادر رزقهم، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد والبطالة.
كذلك، قال الشرع إن السلطات سعت من خلال مثل هذه التسويات إلى منع رجال الأعمال المعنيين من استخدام علاقاتهم الداخلية أو الخارجية للإضرار بالبلاد.
وأشار إلى أن كثيراً من السوريين قد لا يتقبلون هذا التفسير، لكنه ربط القرار بما وصفه بمصلحة البلاد والناس.
ويعد حمشو من أبرز رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق، وفرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات خلال عهد بشار الأسد.
وبعد سقوط النظام، عاد اسمه إلى الواجهة ضمن ملف التسويات المالية والتعامل مع أموال وأصول رجال أعمال ارتبطوا بالسلطة السابقة.
وفي ملف آخر، تحدث الشرع عن دور السوريين في الولايات المتحدة، مشدداً على أهمية مساهمتهم في تعزيز العلاقات السورية-الأميركية.
كذلك، دعا إلى الاستفادة من خبرات وكفاءات السوريين في الخارج في جهود التنمية وإعادة الإعمار.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تسعى فيه دمشق إلى جذب رؤوس الأموال والاستثمارات والخبرات السورية الموجودة في الخارج، بالتوازي مع جهود إعادة بناء قطاعات اقتصادية وخدمية تضررت خلال سنوات الحرب.
وفي الشق السياسي من الزيارة، بحث الشرع، الثلاثاء، مع عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة والأوضاع في البلاد، إضافة إلى المستجدات الإقليمية والدولية.
وقالت رئاسة الجمهورية السورية إن أعضاء الكونغرس أكدوا خلال اللقاء دعمهم وحدة سوريا وسيادتها، فضلاً عن جهود إعادة الإعمار والتعافي وتعزيز الاستقرار.
ويأتي اللقاء في سياق تحولات شهدتها العلاقات بين دمشق وواشنطن، فيما تسعى السلطات السورية إلى توسيع التعاون السياسي والاقتصادي مع الولايات المتحدة.
وبالتوازي، تعمل دمشق على جذب الدعم والاستثمارات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار، ومن المقرر أن يعقد الشرع سلسلة لقاءات مع قادة ومسؤولين دوليين على هامش اجتماعات الجمعية العامة.
كما تحدثت تقارير صحفية عن لقاء مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضمن برنامج الزيارة.
وتحمل زيارة الشرع الحالية طابعاً مختلفاً عن مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة العام الماضي، التي شكلت أول حضور لرئيس سوري فيها منذ عام 1967.
ففي حين طغت على مشاركة 2025 رمزية عودة رئيس سوري إلى منصة الأمم المتحدة بعد عقود من الغياب، تأتي الزيارة الحالية في سياق مختلف.
إذ يتقدم هذه المرة ملف التعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار، إلى جانب تطوير العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
وفي هذا السياق، يستضيف المجلس الأطلسي الشرع، الثلاثاء، في جلسة حوارية في نيويورك تبدأ عند الساعة 5:30 مساءً بالتوقيت المحلي، إذ من المقرر أن تتناول الجلسة مستقبل سوريا ودورها الإقليمي، إلى جانب إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي.
وبحسب المجلس، من المقرر أن يعرض الشرع خلال الجلسة رؤيته لمستقبل سوريا وأولويات حكومته.
أما المحطة الأبرز في الزيارة، فتتمثل في كلمة الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، المقررة الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر، في ثاني خطاب له أمام الجمعية منذ توليه الرئاسة.
وتأتي الكلمة بعد عام من خطاب الشرع الأول أمام الجمعية العامة في أيلول 2025، الذي كان أول خطاب لرئيس سوري أمام المنظمة الدولية منذ نحو 58 عاماً.
وفي موازاة الملفات الاقتصادية والسياسية، تبقى قضايا شمال شرقي سوريا والعلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية حاضرة في خلفية الزيارة.
كذلك، تحظى الترتيبات الأمنية في الجنوب والعلاقة مع إسرائيل، إلى جانب العدالة الانتقالية والتسويات مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بمتابعة دولية.
وبذلك، تجمع زيارة الشرع بين لقاءات سياسية مع مسؤولين أميركيين ودوليين، وملفات اقتصادية تتعلق بالاستثمار وإعادة الإعمار، وقضايا داخلية وإقليمية لا تزال موضع متابعة.