ارتفعت، الخميس، حصيلة المواجهة المسلحة التي اندلعت على خلفية نزاع على أراضٍ في قرية الحلبية التابعة لمنطقة دير حافر شرقي حلب إلى ستة قتلى، بعد وفاة أحد المصابين متأثراً بجراحه، وفق مصادر محلية تحدثت لـ”سوريا بلس”.
وتعيد الحادثة، التي تعود جذورها إلى سنوات الحرب وتهجير إحدى العائلات من القرية، إلى الواجهة مخاطر نزاعات الملكية العالقة مع عودة المهجرين، بعدما فشلت محاولات متكررة للتسوية قبل أن يتحول الخلاف إلى إطلاق نار.
وقال الأكاديمي والباحث في الشؤون المجتمعية وأحد أبناء المنطقة سمير العبد الله لـ”سوريا بلس” إن عائلتي “الكبة” و”الناصر” تنتميان إلى قرية الحلبية وعشيرة الحديديين، لكن سنوات الحرب عمقت خلافات سابقة بينهما.
وأوضح أن أفراداً من عائلة الكبة انضموا إلى الثورة وغادروا المنطقة، بينما بقي أفراد من عائلة الناصر في مناطق سيطرة النظام السابق. كما فقد الطرفان أفراداً خلال الحرب، ما خلّف احتقاناً متراكماً.
ورغم محاولات فتح صفحة جديدة بعد التحرير وعودة المهجرين، أعاد النزاع على الأرض التوتر إلى الواجهة.
الأمن ينتشر في القرية
وكان المكتب الإعلامي للأمن الداخلي في حلب أعلن، عقب المواجهة، مقتل خمسة أشخاص متأثرين بإصاباتهم، وقال إن قوى الأمن تدخلت وانتشرت في مكان الحادثة وتمكنت من السيطرة على الوضع، من دون تسجيل اشتباكات جديدة بعد انتشارها.
غير أن الحصيلة ارتفعت، الخميس، إلى ستة قتلى بعد وفاة أحد المصابين متأثراً بجراحه، بحسب مصادر محلية لـ”سوريا بلس”، فيما لم يصدر حتى وقت إعداد التقرير تحديث رسمي للحصيلة عن الأمن الداخلي.
وماتزال الأمن منتشرة في القرية، وفق المصادر، وسط حالة من التوتر ومساعٍ لمنع تجدد المواجهات بين الطرفين.
أرض استُثمرت خلال النزوح
وقال وليد الكبة، عضو إدارة منطقة دير حافر، في تسجيل مصور نشر عبر فيسبوك، إن أفراداً من عائلة الناصر استثمروا خلال فترة النزوح أراضي تعود إلى عائلة الكبة، قبل أن يطالب أصحابها بعد عودتهم بتسوية حقوقهم عن الأرض والفترة التي جرى استثمارها خلالها.
وتتقاطع روايته مع إفادة العبد الله ومعلومات نشرتها مصادر محلية بعد الحادثة، أرجعت جذور المواجهة إلى نزاع قديم على الأراضي.
وبحسب الكبة، تدخلت لجنة للتوصل إلى تسوية وتعويض أصحاب الأرض، وعقدت عدة جلسات بين الطرفين، فيما وافقت عائلة الكبة على التنازل عن جزء من المبالغ التي كانت تطالب بها في محاولة لإنهاء الخلاف، لكن التسويات لم تصمد.
وقال الكبة إن المشكلة جرى احتواؤها ثلاث مرات قبل أن يتجدد الخلاف، ويمتد لاحقاً إلى مشكلات يومية بين أفراد العائلتين، شملت خلافات بين الأطفال وتبادل الشتائم ونزاعات مرتبطة بالمياه.
شكاوى سبقت المواجهة
ومع تعثر الوساطات، حاول وجهاء في القرية نقل القضية إلى المؤسسات القضائية، وفق الكبة، الذي قال إنهم قدموا معروضاً إلى النائب العام بشأن ما وصفه بنقض الاتفاقات والتحشيد وإثارة المشكلات.
وأضاف أن أحد الأشخاص أوقف على خلفية القضية ثم أطلق سراحه بعد نحو شهر، قبل أن يعود التوتر مجدداً.
وفي مرحلة لاحقة، قال العبد الله إن اجتماعات عُقدت بمشاركة أشخاص من خارج القرية، واتهم بعضهم بالعمل سابقاً مع ميليشيات إيرانية خلال عهد النظام السابق.
وأضاف أن الشيخ فراس الكبة، أحد وجهاء القرية، تلقى معلومات عن تهديدات وتحركات مسلحة، قبل إبلاغ النائب العام في دير حافر ورئيس مخفر كويرس.
وبحسب روايته، حضرت دوريات إلى المنطقة، وقدم الشيخ فراس أسماء أشخاص قال إنهم يحملون السلاح. إلا أن العبد الله اتهم الشرطة بعدم تنظيم ضبط بالواقعة أو اتخاذ إجراءات كافية لمنع التصعيد.
من الاحتجاز إلى إطلاق النار
وبحسب الكبة فإن التوتر بلغ ذروته عندما اعتدى عدد من الأشخاص على رجلين واحتجزوهما داخل محل في القرية.
وأضاف أن أحد السكان أبلغ الشيخ فراس بالواقعة، فتوجه إلى المكان لمعرفة ما يجري ومحاولة احتواء الخلاف.
وعند وصوله، وفق رواية العبد الله، أطلق مسلحون النار باتجاهه ومن كانوا معه، ما أسفر عن سقوط قتلى، بينهم الشيخ فراس.
واتهم المسؤول المحلي أشخاصاً من خارج القرية بالمشاركة في إطلاق النار، وقال إن بعضهم كانت له صلات سابقة بميليشيات إيرانية.
كما قالت مصادر محلية إن بعض القتلى لم يكونوا طرفاً في أصل النزاع.
حوادث مشابهة
ولا تبدو حادثة الحلبية معزولة عن نزاعات أخرى على الملكية انتهت بإطلاق النار خلال الفترة الماضية.
ففي 15 آب/أغسطس، أدى خلاف على ملكية أرض في منطقة جبل بدرو على طريق الباب في حلب إلى مواجهة مسلحة أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.
وكان من بين القتلى أحمد الجاسم، المعروف بـ”أبو معتز”، وهو سوري يحمل الجنسية الهولندية وكان يقيم في أوروبا.
وبحسب مصادر مقربة منه، عاد الجاسم إلى سوريا وبدأ متابعة قضية أرض قال إنها تعرضت للاستيلاء خلال سنوات غيابه، ولجأ إلى القضاء سعياً لاستعادة حقه فيها.
وقُتل الجاسم داخل الأرض في واقعة مرتبطة بالنزاع على ملكيتها.
وتحدثت معلومات محلية عن أنه كان يحاول تحصين الأرض والبدء بأعمال بناء فيها عندما تعرض لإطلاق النار، إلا أن “سوريا بلس” لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الجزئية.
وبعد ذلك بيومين، تحول خلاف على ملكية أرض في مدينة السخنة بريف حمص الشرقي إلى اقتتال مسلح أسفر عن مقتل طفل وشاب وإصابة خمسة آخرين.
ورغم اختلاف ملابسات هذه الحوادث، فإنها تسلط الضوء على مخاطر تحول نزاعات الملكية غير المحسومة، في ظل انتشار السلاح، إلى مواجهات دامية.
حاوي: العدالة الانتقالية يجب أن تكون شاملة
وقال عضو مجلس الشعب بشر حاوي لـ«سوريا بلس» إن منع تكرار مثل هذه النزاعات يتطلب التعامل مع العدالة الانتقالية باعتبارها مساراً شاملاً لا يقتصر على الإجراءات القضائية والمحاكمات.
وأضاف أن المسار يجب أن يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، مع إعطاء أولوية لجبر الضرر، ولا سيما للمهجرين الذين فقدوا مساكنهم أو ممتلكاتهم خلال سنوات الحرب.
وقال حاوي إن بعض المهجرين يعودون اليوم إلى قراهم وأحيائهم ليجدوا آخرين استفادوا من ممتلكاتهم وأرزاقهم خلال فترة غيابهم.
وحذر من أن عدم معالجة هذه الملفات على مستوى الدولة سيجعل تحقيق الاستقرار المجتمعي أكثر صعوبة، خصوصاً في المناطق ذات البنية العشائرية والقبلية والمجتمعات البعيدة عن مراكز المدن.
ورغم بدء مسار قضائي للعدالة الانتقالية، اعتبر حاوي أن الإمكانات المتاحة «غير كافية من حيث الكم والنوع»، مشيراً إلى أن محدودية الكوادر والجهات القضائية المختصة تؤدي إلى بطء معالجة القضايا.
وحذر من أن الصراعات المتراكمة “إذا لم يتم احتواؤها من قبل الدولة، ربما تؤدي إلى حالة انفجار”.
“نار تحت الرماد”
ويتقاطع تحذير حاوي مع رؤية العبد الله، الذي يرى أن استمرار انتشار السلاح وبقاء قضايا سنوات الحرب بلا حلول قد يهيئ لتكرار حوادث مماثلة.
وقال إن الملفات العالقة لا تقتصر على المنازل والأراضي، بل تشمل قضايا المعتقلين واتهامات بكتابة تقارير للأجهزة الأمنية في عهد النظام السابق، فضلاً عن مطالب باستعادة ممتلكات أو الحصول على تعويضات، ووصف هذه الملفات بأنها “نار تحت الرماد”.
ويرى العبد الله أن الاعتماد على مجالس الصلح المحلية وحدها لا يوفر حلاً دائماً، لأنها تستند إلى الوساطات والوجهاء والجاهات الاجتماعية من دون امتلاك صلاحيات قضائية وتنفيذية ملزمة.
وتظهر حادثة الحلبية، بحسب روايته، حدود هذه الآلية، بعدما فشلت ثلاث محاولات لتسوية النزاع قبل أن ينتهي بإطلاق النار.
ودعا إلى تعزيز القضاء المختص بقضايا العدالة الانتقالية وزيادة كوادره، بما يسمح بحسم النزاعات قبل تراكمها وتحولها إلى مواجهات، مؤكداً أنه في حال كانت الدولة لا تريد فتح هذه الملفات، فهذا لا يعني أن الناس ستنسى حقوقها”.
ملكيات معلقة وسلاح منتشر
وخلّفت سنوات الحرب والنزوح في سوريا أوضاعاً معقدة تتعلق بالمنازل والأراضي، بعدما تغير مستخدمو بعض الممتلكات خلال غياب أصحابها، فيما ترتبط نزاعات أخرى بادعاءات بالاستيلاء أو بحقوق الانتفاع والتعويض، وهي ملفات تحتاج إلى إثبات وحسم قضائي.
كما تتداخل بعض نزاعات الملكية مع انقسامات وانتهاكات تعود إلى سنوات الحرب، ما يزيد صعوبة تسويتها عبر المصالحات المحلية وحدها.
وفي هذا السياق، يرى حاوي والعبد الله أن الخطر يتفاقم عندما يقترن تأخر الحسم القانوني بانتشار السلاح.
ففي جبل بدرو انتهى نزاع على أرض بمقتل شخصين، وفي السخنة أودى خلاف آخر بحياة اثنين، فيما ارتفعت حصيلة مواجهة الحلبية، الخميس، إلى ستة قتلى.
وفي الحلبية، بدأ الخلاف قبل سنوات من إطلاق الرصاص، عندما غادر أصحاب أراضٍ القرية واستثمرها آخرون خلال غيابهم.
وعندما عاد المهجرون، عادت معهم مطالب الملكية والتعويض. وبين محاولات الصلح والشكاوى والتحذيرات، بقي النزاع من دون حسم نهائي، حتى انتهى بستة قتلى وانتشار أمني يسعى إلى منع جولة جديدة من العنف.