بعد غرق شوارع ومنازل في حلب.. إعفاء مدير الصرف الصحي وأسئلة حول أسباب اتساع الأضرار

حجم الخط

أمطار غزيرة غمرت شوارع ومنازل ومحالًا ومستودعات في حلب، وأظهرت مشاهد متداولة مركبات عالقة وسط المياه، قبل أن يُعفى مدير الصرف الصحي ويُكلف نائبه بتسيير الأعمال.
وبينما وصفت المحافظة الهطولات بأنها استثنائية، يربط ناشطون ومتابعون للشأن الخدمي جانبًا من الأضرار بجاهزية شبكات التصريف والصيانة المسبقة، في وقت تكشف فيه بيانات حصلت عليها “سوريا بلس” اتساع عمليات الاستجابة داخل المدينة.

أعادت الأمطار الغزيرة التي شهدتها مدينة حلب ملف شبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار إلى الواجهة، بعدما غمرت المياه شوارع ومنازل ومحالًا ومستودعات في مناطق متفرقة، وأعاقت حركة السير واحتجزت مركبات، وسط تباين في تفسير أسباب اتساع الأضرار بين كثافة الهطولات ومدى جاهزية البنية التحتية للتعامل معها.

وخلال ساعات الهطول، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة أظهرت ارتفاع منسوب المياه في شوارع رئيسية وفرعية، ووصولها إلى محال ومستودعات ومنشآت، فيما أظهرت مشاهد أخرى مركبات تحاول عبور تجمعات مائية كبيرة.

وتقاطعت مناطق ظهرت في المقاطع المتداولة مع مواقع سجلت فيها فرق الطوارئ تدخلات ميدانية، بينها الفيض والزبدية والمشهد وصلاح الدين وجسر الحج وجسر العوارض.

إعفاء مدير الصرف الصحي

وفي أعقاب العاصفة، قال عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب فرهاد خورتو لـ”سوريا بلس” إن مدير الصرف الصحي أُعفي من مهامه، وكُلف نائبه بتسيير الأعمال إلى حين تعيين مدير جديد.

وأوضح خورتو أن ملف الصرف الصحي، إلى جانب ملف الطوارئ وإدارة الكوارث، أصبح ضمن متابعته وإشرافه في المكتب التنفيذي للمحافظة، مضيفًا أنه سيعمل على “متابعة العمل ومراقبة مكامن الخلل والتقصير”.

ولم يحدد خورتو أسباب قرار الإعفاء أو يربطه بصورة مباشرة بتداعيات العاصفة المطرية.

المحافظ: هطولات استثنائية

ووصف محافظ حلب عزام الغريب ما شهدته المدينة بأنه يوم “صعب ومقلق”، وقال في منشور فيسبوكي إن غزارة الهطولات كانت استثنائية، مشيرًا إلى أن مدنًا في دول المنطقة شهدت خلال الفترة الماضية أمطارًا غزيرة تسببت بدورها في غمر أحياء وشوارع وتعطيل حركة الحياة.

وأقر الغريب بوصول المياه إلى عدد من الأحياء والشوارع والمنازل والمحال التجارية، مشيرًا إلى عمل فرق الطوارئ والصرف الصحي ومجلس المدينة على معالجة آثار الهطولات وفتح مجاري التصريف.

وفي الوقت نفسه، وجّه المحافظ بتسريع صيانة وتأهيل شبكات ومجاري الصرف الصحي المتهالكة، وتحدث عن محاسبة من يثبت تقصيره، كما دعا المتضررين إلى تقديم طلباتهم إلى مكتب الشكاوى في المحافظة.

كم هطل من المطر؟

كمية الهطول المطري في المدينة تعتبر ذات أهمية في تحديد أسباب ما حدث، إذ لا تكفي مشاهد السيول وحدها للحسم فيما إذا كانت الشبكة واجهت كمية أمطار تتجاوز قدرتها التصميمية، أم أن عوامل تتعلق بالصيانة والانسدادات أسهمت في تفاقم تجمع المياه.

وتشير بيانات رصد جوي متاحة لمحطة مطار حلب إلى هطولات خلال فترة العاصفة، لكن قراءة محطة واحدة تقع خارج بعض الأحياء الأكثر تضررًا لا تكفي لقياس كمية المطر التي تلقتها جميع أنحاء المدينة.

وتزداد أهمية هذا التفريق في العواصف الرعدية، إذ يمكن أن تتفاوت كمية المطر وشدته بصورة كبيرة بين منطقة وأخرى خلال فترة زمنية قصيرة.

وحتى إعداد هذا التقرير، لم تتوفر لـ”سوريا بلس” قياسات رسمية تفصيلية منشورة توضح كمية الهطول في كل من الفيض وجسر الحج والزبدية وغيرها من المناطق التي شهدت تجمعات كبيرة للمياه، أو شدة الهطول بالملليمتر في الساعة خلال ذروة العاصفة.

وبالتالي، لا تكفي البيانات المتاحة حتى الآن لإثبات أن الهطولات داخل المناطق المتضررة كانت قياسية أو «غير مسبوقة»، كما لا تكفي لنفي توصيف المحافظة لها بأنها استثنائية من دون قياسات تفصيلية من داخل المدينة.

رواية أخرى

وفي مقابل رواية المحافظة، شكك الناشط عبد الرحمن إسماعيل في أن تكون غزارة الهطولات وحدها وراء حجم الأضرار.
وقال إسماعيل في منشور على فيسبوك إن الأمطار كانت، بحسب تقديره، “عادية جدًا”، معتبرًا أن عدم تنظيف المصارف المطرية قبل الموسم أسهم في حدوث المشكلة.
وأضاف أن أعمال تنظيف المصارف كان يفترض أن تبدأ منذ مطلع أيلول، وانتقد دعوة المتضررين إلى مراجعة مكتب الشكاوى، مشيرًا إلى ما وصفه بتجارب سابقة غير مشجعة مع المكاتب الخدمية.

وتبقى تقديرات إسماعيل بشأن مستوى الهطولات ومسؤولية شبكات التصريف رأيًا يحتاج إلى بيانات فنية ورصدية مستقلة للتحقق منه.

المشكلة أعمق من العاصفة

من جهته، اعتبر رئيس مبادرة أهالي حلب أن السيول كشفت مشكلات متراكمة في منظومة الصرف وتصريف مياه الأمطار، وأن حجم الأضرار نتج، وفق تقديره، عن مجموعة عوامل وليس سببًا واحدًا.

وأشار إلى غزارة الهطولات ومحدودية الطاقة الاستيعابية لبعض أجزاء الشبكة، إلى جانب امتلاء مجاري التصريف وانسداد بعض المصارف بالمخلفات والأتربة، والحاجة إلى ضمان جاهزية مضخات الرفع في المواقع الحيوية، ومنها نفَقا تشرين والتوحيد.

وفرّق بين تجاوز الأمطار القدرة التصميمية للشبكة وبين استمرار تجمع المياه نتيجة انسداد المصارف أو ضعف جاهزيتها، معتبرًا أن الحالة الثانية يمكن الحد منها بإجراءات وقائية وصيانة تسبق موسم الأمطار.

وقال إن أجزاء من شبكة الصرف في حلب قديمة وتعرضت خلال السنوات الماضية للاهتراء والأضرار، بالتزامن مع توسع المدينة عمرانيًا وسكانيًا وصناعيًا.
ودعا إلى مسح هندسي شامل لشبكات الصرف ومصارف مياه الأمطار، ووضع برنامج سنوي لتنظيفها قبل موسم الهطولات، وصيانة محطات ومضخات الرفع ودعم الآليات والكوادر الفنية.

كما وسّع رئيس المبادرة نطاق المشكلة إلى ملف الصرف الصناعي، داعيًا إلى تطوير منظومة المعالجة وربط أي توسع عمراني أو صناعي مستقبلي بقدرة شبكات الصرف والمعالجة على استيعابه.

استجابة في 19 موقعًا

وبحسب معطيات حصلت عليها “سوريا بلس” من رئيس قسم العمليات الميدانية في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث يوسف عزو، نفذت فرق الدفاع المدني عمليات لتصريف المياه وفتح الشوايات المطرية في 10 مواقع محورية داخل مدينة حلب.

وشملت العمليات شارع فيصل وباب جنين وشارع جسر 16 تشرين ودوار الجندول وحي الإنذارات عند دوار البريج وجسر العوارض ومحيط مشفى الرازي والمشارقة.

وأضاف عزو أن الفرق عملت على فتح الطرق وإزالة العوائق وإعادة حركة السير في تسعة مواقع أخرى، بينها الكلاسة والمشهد وبستان القصر ومحيط سوقي الفستق والفحم وسوق القنيطرة في صلاح الدين وشارع الروضة في الزبدية ودوار صلاح الدين وأرض الصباغ.

كما تعاملت الفرق مع تجمعات للمياه وحالات احتجاز آليات في دوار الفيض وجسر الحج، وأزالت شجرة سقطت وأعاقت طريقًا رئيسيًا في هنانو، وسحبت المياه من منازل في حي الزبدية.

وامتدت الاستجابة إلى حماية معمل أدوية في المنطقة الصناعية بالشيخ نجار ومبنى بريد بارون من مخاطر تسرب المياه.

وقال عزو إن 63 عنصرًا ميدانيًا شاركوا في عمليات الاستجابة، بينهم 48 في أحياء حلب و15 في المخيمات والمناطق الشمالية، بمشاركة تسع فرق من مديرية حلب وأربع فرق من مديرية إدلب، واستخدام 14 آلية ومعدة للطوارئ.

مستودعات غمرتها المياه

وفي حي الفيض، قال صاحب مستودع رضا قلعية لـ”سوريا بلس” إن المياه غمرت مستودعات في المنطقة وألحقت أضرارًا بممتلكات أصحابها.

وانتقد قلعية مستوى الاستعداد قبل العاصفة، وقال: “المفروض العمال والبلدية تشتغل قبل المطر”، مضيفًا أن عددًا من المستودعات في المنطقة تعرض للغمر.

ولم تتوفر حتى الآن حصيلة نهائية تحدد عدد المنازل والمحال والمستودعات المتضررة داخل المدينة أو القيمة المالية الإجمالية للخسائر.

ماذا أُنجز قبل المطر؟

ولا يقتصر الجدل على ما حدث أثناء العاصفة، إذ يمتد إلى الإجراءات التي سبقتها، ولا سيما أعمال تنظيف المصارف ورفع جاهزية الشبكات قبل موسم الأمطار.

وكانت الجهات المعنية قد تحدثت قبل بدء الموسم عن أعمال للصيانة وتنظيف المصافي المطرية وإزالة الأتربة والمخلفات، مع التركيز على المواقع المنخفضة والنقاط المعروفة بالاختناقات.

ومن بين المواقع التي وردت ضمن الاستعدادات الفيض وجسر الحج وجسر العوارض، وهي أسماء عادت إلى الظهور ضمن مناطق التدخل خلال العاصفة الأخيرة.

ولا يشكل تكرار هذه المواقع، بمفرده، دليلًا على عدم تنفيذ الصيانة؛ فقد تتجاوز كثافة الهطول قدرة الشبكة حتى بعد تنظيفها. لكنه يطرح سؤالًا بشأن طبيعة الأعمال التي نُفذت في هذه النقاط، وتوقيتها، وحجمها، والطاقة التي أصبحت الشبكة قادرة على استيعابها بعدها.

من “استثنائية المطر” إلى اختبار الجاهزية

وبين توصيف المحافظة للهطولات بأنها استثنائية، وانتقادات تربط حجم الأضرار بواقع المصارف والصيانة، لا تزال معطيات أساسية غائبة عن النقاش العام.

فتحديد أسباب ما حدث يتطلب نشر كمية الهطول وشدته خلال ذروة العاصفة، والطاقة التصميمية لشبكات التصريف في المناطق المتضررة، وحالة المصارف قبل الهطول، وتفاصيل أعمال التنظيف والصيانة التي نُفذت ضمن خطة الاستعداد.

كما يتطلب تقييم التداعيات حصرًا رسميًا لعدد المنازل والمحال والمنشآت المتضررة وحجم الخسائر.

وبذلك، لا ينتهي ملف الأمطار بانحسار المياه عن شوارع حلب، فالاختبار التالي يتعلق بتحديد ما إذا كانت الشبكات واجهت حدثًا مطريًا تجاوز قدرتها الفنية رغم جاهزيتها، أم أن أوجه قصور في الصيانة والاستعداد ضاعفت أثر الهطولات.

وبين الاحتمالين، تبقى الأرقام والتحقيق الفني، لا توصيفات الأطراف وحدها، الطريق إلى تحديد مكامن الخلل والمسؤولية.