حملات مصادرة الدراجات النارية في دمشق.. بين المخالفات ومطالب أصحابها بالتنظيم

حجم الخط

أعادت حملات مصادرة الدراجات النارية في دمشق، والاحتجاجات التي رافقتها في الساحات الأحد 4 تشرين الأول، ملف تنظيم حركة الدراجات في العاصمة إلى الواجهة، وسط تباين بين شكاوى الأهالي من بعض المخالفات، ومطالب أصحاب الدراجات بوضع ضوابط واضحة تتيح لهم العمل دون أن تشمل الإجراءات جميع المستخدمين.

وتزامنت هذه التطورات مع تشديد الإجراءات بحق الدراجات المخالفة، في وقت يقول أصحابها إنهم استجابوا خلال الفترة الماضية لمتطلبات الترخيص، من تسجيل الدراجات وتركيب المرايا وارتداء الخوذة، قبل أن يواجهوا إجراءات تحد من دخولهم إلى مناطق في دمشق أو تؤدي إلى حجز دراجاتهم ومصادرتها.

أصحاب الدراجات: التزمنا بالشروط ونريد حلاً للعمل

خلال الاحتجاجات، قال عدد من أصحاب الدراجات لـ”سوريا بلس” إنهم اشتروا دراجاتهم وسجلوها بعد توجيههم إلى ذلك، والتزموا بارتداء الخوذ وتجهيز الدراجات بالمرايا، مؤكدين أن استخدامها مرتبط بالعمل وتأمين دخل لعائلاتهم.

وقال سليم الحلاق، أحد المحتجين، إنهم تلقوا قبل نحو شهرين توجيهات بشراء الدراجات وترخيصها وارتداء الخوذة، قبل أن يواجهوا لاحقاً منعاً من دخول المدينة.

وتساءل الحلاق عن سبب السماح لهم باستكمال إجراءات التسجيل والترخيص، ثم منعهم من استخدام دراجاتهم في المناطق التي يعملون فيها.

بدوره، قال أبو رائد، أحد المحتجين، إن مصادرة دراجته لعدة أيام دفعته إلى الاستدانة لتأمين نفقاته، موضحاً أنه يعيش في منزل مستأجر، ما يجعل توقف الدراجة عن العمل لفترة طويلة عبئاً مباشراً على أسرته.

مطالب باستهداف المخالفين لا جميع المستخدمين

يرى أصحاب الدراجات المحتجون أن الإجراءات يجب أن تستهدف مرتكبي المخالفات تحديداً، لا جميع مستخدمي الدراجات، مشيرين إلى أنهم يلتزمون، بحسب قولهم، بإشارات المرور وتوجيهات عناصر الشرطة.

وقال الحلاق إن بعض المخالفين الذين يستخدمون الدراجات في “التشفيط” أو السرقة، وفق وصفه، لا يتوقفون في الأماكن التي يعمل فيها أصحاب الدراجات، داعياً إلى تكثيف الدوريات وضبط السائقين المخالفين بدلاً من مصادرة دراجات أشخاص يستخدمونها للعمل.

ويطالب المحتجون بحل يتيح لهم العمل ضمن ضوابط واضحة، مؤكدين أنهم لا يرفضون التنظيم، وإنما يريدون معرفة الشروط التي تتيح لهم استخدام دراجاتهم بصورة قانونية.

شكاوى من الأهالي ومخاوف أمنية ومرورية

في المقابل، تصاعدت شكاوى أهالي عدد من أحياء دمشق من دخول الدراجات النارية بصورة عشوائية، ولا سيما في حي العدوي، الذي يشير الأهالي إلى سهولة الدخول إليه والخروج منه بسرعة، بسبب موقعه القريب من الأوتوستراد.

ويربط الأهالي بين بعض الدراجات وحوادث نشل وسرقة وقعت في المنطقة، إلى جانب شكاوى أوسع في دمشق ومناطق أخرى تتعلق بالقيادة المتهورة، و”التشفيط”، والضجيج، والحوادث المرورية.

وبذلك، لا يرتبط الجدل حول الدراجات النارية بمسألة استخدامها كوسيلة نقل أو للعمل فقط، وإنما يمتد إلى مخاوف أمنية ومرورية تتطلب، بحسب المطالب المطروحة، التمييز بين الاستخدام المخالف والاستخدام القانوني.

قرار بمنع استيراد الدراجات الجديدة

على المستوى التنظيمي، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قراراً يقضي بمنع إدخال الدراجات النارية بمختلف أنواعها، الجديدة والمستعملة، إلى سوريا اعتباراً من 1 نيسان 2026، مع استثناء الدراجات التي كانت قد دخلت البلاد واستكملت معاملاتها قبل هذا التاريخ.

وتشترط إجراءات التسجيل والترخيص، وفق المعطيات المتعلقة بالقرار، تقديم شهادة المنشأ والفاتورة الأصلية، وأن يكون صاحب الدراجة قد أتم 18 عاماً ويحمل إجازة سوق من الفئة “أ”، وألا تتجاوز سعة محرك الدراجة 150 سم³.

وتأتي هذه الشروط إلى جانب قرارات محلية تختلف بين محافظة وأخرى بشأن حركة الدراجات والعقوبات المفروضة على المخالفين.

عقوبات تختلف بين المحافظات

يقول المحامي فراس حميدو لـ”سوريا بلس” إن تجوال الدراجات غير المرخصة في دمشق ممنوع، وإن الإجراءات بحق المخالفين تتدرج من الحجز والغرامة المالية إلى المصادرة في حال تكرار المخالفة، مع وجود قيود إضافية على دخول الدراجات إلى بعض مناطق العاصمة.

وبحسب المعطيات المتداولة، قد تصل العقوبة في دمشق إلى حجز الدراجة لمدة ثلاثة أشهر وغرامة قدرها مليون ليرة سورية، مع إلزام صاحبها بتعهد موثق بعدم الدخول مجدداً، فيما قد تؤدي المخالفة المتكررة إلى مصادرة الدراجة.

وتختلف الإجراءات من محافظة إلى أخرى. ففي حماة توجد قيود على دخول الدراجات غير المرخصة إلى المدينة، إضافة إلى منع تجوالها خلال ساعات الليل، بينما فرضت درعا بدل خدمة قدره 300 ألف ليرة على الدراجة المخالفة مع حجزها إلى حين التسديد.

كما دعت محافظة حمص أصحاب الدراجات غير المرخصة إلى تسوية أوضاعها لدى مديرية النقل.

تسوية الأوضاع والترخيص لتجنب المصادرة

يرى المحامي فراس حميدو أن الإسراع في تسوية أوضاع الدراجات وترخيصها يمثل الحل الأساسي لتجنب الحجز والمصادرة، داعياً أصحابها إلى مراجعة مديريات النقل في محافظاتهم والبدء بإجراءات التسجيل، ولا سيما للدراجات التي لا تتجاوز سعة محركاتها 150 سم³.

وأوضح أن استكمال إجراءات التسجيل يتطلب تجهيز الوثائق اللازمة، ومنها شهادة المنشأ المصدقة أصولاً من غرفة الصناعة ومديرية الصناعة، والفاتورة الأصلية، وصورة الهوية، إضافة إلى سند إقامة معتمد لغير المقيمين في المحافظة.

وأشار إلى ضرورة الالتزام بالقيود المحلية المفروضة على حركة الدراجات، موضحاً أن بعض المحافظات تحدد أوقاتاً للتجوال. ففي حمص، يسمح للدراجات بالتجوال من الساعة السابعة صباحاً حتى السابعة مساءً، بينما يُمنع دخول الدراجات غير المرخصة إلى مدينة حماة اعتباراً من 1 تشرين الأول 2026، وفق المعطيات التي أوردها.

تصاريح خاصة للدراجات المستخدمة في العمل

ويلفت حميدو إلى إمكانية الحصول على تصاريح تجوال خاصة للدراجات المستخدمة في الأنشطة الاقتصادية والتجارية، مثل خدمات التوصيل، موضحاً أن مديرية هندسة المرور تملك صلاحية إصدار هذه التصاريح للدراجات المرخصة المستخدمة في تلك الأنشطة.

ويرى أن هذه الآلية يمكن أن تتيح لأصحاب الدراجات التي يعتمدون عليها كمصدر دخل الاستمرار في أعمالهم ضمن إطار قانوني، بدلاً من إخضاع جميع الدراجات لإجراءات واحدة بغض النظر عن طبيعة استخدامها.

بدائل لتخفيف الاعتماد على الدراجات

ويطرح حميدو بدائل يمكن أن تخفف الاعتماد على الدراجات النارية، بينها التوسع في استخدام الدراجات الكهربائية والسكوترات، التي بدأت بالانتشار كوسائل نقل أقل كلفة من حيث التشغيل، إضافة إلى الدراجات الهوائية للمسافات القصيرة داخل الأحياء.

كما يشير إلى خدمات نقل الركاب والطرود باستخدام الدراجات النارية، المعروفة محلياً باسم “تاكسي الموتور”، باعتبارها إحدى الوسائل التي ظهرت في ظل أزمة المواصلات وارتفاع كلفة استخدام السيارات.

تطوير النقل والرقابة بدلاً من الإجراءات العامة

وعلى مستوى الحلول، يرى حميدو أن معالجة الملف تحتاج إلى تطوير منظومة النقل العام وتوفير وسائل نقل مريحة واقتصادية، بما يخفف الاعتماد على الدراجات النارية كوسيلة نقل أساسية.

كما يدعو إلى تعزيز الرقابة والفحص الفني والتركيز على المخالفات الخطرة، مثل القيادة الرعناء وتجاوز إشارات المرور واستخدام عوادم مزعجة، إلى جانب إلزام السائقين بالخوذة وإجراء الفحوص الدورية.

ويقترح كذلك تشجيع التصنيع المحلي للمحركات الصغيرة، ولا سيما الدراجات ذات سعة المحرك التي تصل إلى 50 سم³ أو أقل، باعتبارها فئة يمكن تصنيعها محلياً وتوفير بدائل قانونية واقتصادية ضمنها.

بين تنظيم الحركة وحماية مصادر الرزق

لا يقتصر ملف الدراجات النارية في دمشق على مسألة السماح أو المنع، إذ ترتبط هذه الدراجات بمصادر دخل لشريحة من العاملين، في مقابل الحاجة إلى الحد من استخدامها في السرقة والاستعراض والقيادة الخطرة والتسبب بالحوادث والضجيج.

وتضع هذه المعادلة الجهات المعنية أمام الحاجة إلى إجراءات أكثر تحديداً، تبدأ بتسوية أوضاع الدراجات القابلة للترخيص واستكمال الوثائق المطلوبة، وتنظيم استخدامها وفق القيود المحلية، مع إتاحة تصاريح خاصة للدراجات المستخدمة في الأنشطة الاقتصادية والتجارية.

كما يتطلب التعامل مع الملف تعزيز الرقابة على المخالفات الخطرة والفحص الفني، بالتوازي مع تطوير النقل العام وتوفير بدائل عملية، بما يتيح الفصل بين الدراجة المستخدمة بصورة قانونية وتلك المرتبطة بمخالفة أو جريمة، ويوازن بين تنظيم حركة الدراجات وحماية مصادر رزق أصحابها.