كيف تصمد الصناعة المحلية السورية في وجه المستورد؟

حجم الخط

تواجه الصناعة السورية مرحلة جديدة مع انفتاح السوق أمام الواردات، في وقت لا تزال فيه المصانع المحلية تواجه ارتفاعاً في كلف الإنتاج والطاقة والنقل والتمويل.

وكانت “فايننشال تايمز” قد تناولت في تقرير نشرته في 30 أيلول/سبتمبر تجربة الانفتاح الاقتصادي في سوريا، مستعرضة أثر تدفق السلع الأجنبية منخفضة السعر على المصانع المحلية. وذكرت أن دخول خيوط رخيصة من مصر دفع مصنعاً لإنتاج خيوط الأكريليك قرب دمشق إلى خفض أسعاره والبيع بخسارة، قبل أن يتوقف عن الإنتاج ويسرّح 110 عمال، في وقت تواجه فيه الصناعة أيضاً ارتفاع كلف الطاقة وتقادم التكنولوجيا وصعوبة التمويل.

لكن الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم يرى أن المشكلة لا يمكن اختزالها في الاستيراد وحده، بل ترتبط بقدرة الصناعة السورية على المنافسة ضمن كلفة إنتاج مرتفعة.

ارتفاع الاستيراد لا يعني أن كل الواردات تنافس الصناعة

يقول عبد الكريم لـ”سوريا بلس” إن الواردات ارتفعت بنسبة 81% خلال عام 2025، من نحو 4 مليارات دولار إلى 7.3 مليارات دولار، لكنه يلفت إلى أن 31% منها كانت مواد غذائية وزراعية و19% مواد بناء، وهي واردات ضرورية في مرحلة إعادة الإعمار وعودة السكان.

ويضيف أن الواردات بلغت في أيار/مايو 2026 نحو 999 مليون دولار، بزيادة 45.8% على أساس سنوي، مقابل صادرات بلغت 176 مليون دولار، أي نحو ستة دولارات من الواردات مقابل كل دولار من الصادرات.

ويرى أن المشكلة تظهر عندما تدخل السوق سلع نهائية تستطيع المصانع السورية إنتاجها، ولا سيما في قطاعات الألبسة والمنسوجات والصناعات الغذائية.

ويوضح أن اختراق الواردات يعني نسبة الطلب في السوق التي تغطيها السلع المستوردة بدلاً من الإنتاج المحلي. وارتفاع هذه النسبة في سلع لا تُنتج محلياً ليس مشكلة بحد ذاته، بينما يصبح مؤشراً مقلقاً عندما ترتفع في سلع توجد لها مصانع سورية قادرة على الإنتاج.

ولا توجد، وفق عبد الكريم، بيانات رسمية منشورة عن اختراق الواردات لكل قطاع على حدة، لكنه يشير إلى وجود نحو 5913 منشأة عاملة مقابل 5973 منشأة متوقفة في قطاع الألبسة والمنسوجات، ما يعني أن نحو نصف القطاع، وفق هذه الأرقام، خارج الإنتاج.

كلفة الإنتاج تضعف المنافسة

يؤكد عبد الكريم أن الضغط على الصناعة لا يأتي من الاستيراد فقط، وإنما من ارتفاع كلفة الإنتاج، التي تشمل المواد الأولية والطاقة والأجور والنقل والتمويل والصيانة والرسوم والهدر.

ويشير إلى أن صناعيين يتحدثون عن وصول الرسم على الملابس الجاهزة إلى نحو 4 دولارات للكيلوغرام، مقابل نحو 1.1 دولار يدفعها المصنع على كل كيلوغرام من المواد الأولية، ما قد يجعل استيراد السلعة الجاهزة أسهل وأقل كلفة من تصنيعها محلياً.

وفي هذا السياق، يحذر عبد الكريم من وصف كل سلعة منخفضة السعر بأنها إغراق، لأن الإغراق يحتاج إلى إثبات بيع السلعة في السوق الخارجية بسعر يقل عن سعرها في بلد المنشأ أو عن كلفتها، مع إثبات الضرر الواقع على الصناعة المحلية.

ويرى أن المشكلة مزدوجة: منافسة الواردات في قطاعات محددة، وضعف القدرة التنافسية للصناعة المحلية، معتبراً أن معالجة الشق الثاني هي الأعمق.

مشكلة الصناعيين في النقل وسعر المواد الأولية

من جهته، يقول أبو عماد، صاحب مصانع ألبسة في ريف دمشق، إن تأثير السلع المستوردة يختلف من قطاع إلى آخر، لأن المنتجات ليست متطابقة دائماً، كما أن بعض المواد الأولية تكون أرخص في الخارج.

ويرى أن من أبرز المشكلات التي يواجهها المنتج المحلي حالياً ارتفاع كلف النقل والمصاريف الإضافية. ويضرب مثالاً بنقل طلبية من دمشق إلى كفربطنا، قائلاً إن الكلفة قد تصل إلى نحو 200 ألف ليرة سورية، وهي قيمة تضاف إلى سعر المنتج وتنعكس على المستهلك.

ويؤكد أن تخفيض الرسوم على المواد الأولية، ومنها الأقمشة، يمكن أن يخفض سعر المنتج النهائي ويمنح الصناعة فرصة أفضل للمنافسة والتصدير إلى الدول المجاورة.

أما بالنسبة إلى السلع النهائية المستوردة التي تنافس المنتج السوري مباشرة، فيرى أبو عماد أن رفع الرسوم عليها ضروري لحماية الصناعة المحلية وتعزيز قدرتها على المنافسة.

الطاقة والتمويل.. أعباء إضافية

يضع عبد الكريم الطاقة ضمن أهم عناصر كلفة الإنتاج، مشيراً إلى أن المصانع المعفاة من التقنين تدفع نحو 1700 ليرة سورية قديمة للكيلوواط الساعي، فيما تصل الكلفة في الصناعات كثيفة الاستهلاك، مثل صهر المعادن، إلى نحو 1800 ليرة، أي قرابة 14 سنتاً.

وبحسب المقارنات التي ينقلها عن صناعيين، تبلغ الكلفة نحو 8 سنتات في الأردن و4 سنتات في مصر.

ولا تتوقف المشكلة عند سعر الكهرباء، إذ إن انقطاعها يحمّل المصنع كلفة الشبكة، ووقود المولدات، ثم خسائر توقف الإنتاج وتأخير الطلبيات.

ويشرح عبد الكريم أنه إذا كانت الطاقة تشكل 30% من كلفة مصنع ما، وارتفعت كلفتها 40%، فإن الكلفة الإجمالية للإنتاج قد ترتفع بنحو 12%، مع اختلاف وزن الطاقة من صناعة إلى أخرى.

أما التمويل، فيشير إلى أن شروط التمويل المعلنة من المصرف الصناعي تتضمن سقفاً يصل إلى 50% من كلفة خط الإنتاج، بفائدة 17%، ما يجعل التوسع والتحديث صعبين أمام مصانع تعمل بهوامش ربح محدودة.

كما أن نقص رأس المال العامل قد يوقف مصنعاً قادراً على تحقيق الربحية، ولذلك يرى أن التمويل يجب أن يذهب إلى تحديث الآلات ورفع الإنتاجية وخفض استهلاك الطاقة، لا إلى إعادة تشغيل خطوط قديمة فقط.

حماية الصناعة.. ولكن بصورة موجهة

يرى عبد الكريم أن الحماية الذكية لا تعني إغلاق السوق، كما أن فتح السوق لا يعني ترك المصنع أمام منافسة غير متكافئة.

ويقترح حماية مؤقتة وموجهة للقطاعات القادرة على المنافسة بعد معالجة مشكلاتها، على أن تكون مرتبطة بنتائج قابلة للقياس ومدة زمنية محددة.

ويحذر من رفع الرسوم على جميع السلع، لأن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الجودة وظهور احتكارات محلية وزيادة التهريب، بحيث يتحمل المستهلك كلفة الحماية.

وبدلاً من ذلك، يضع خفض كلفة الإنتاج في المقدمة، من خلال خفض كلفة الطاقة والنقل والتخليص الجمركي، وتخفيض أو إعفاء الرسوم عن مستلزمات الإنتاج، مثل الخيوط والأزرار والآلات.

كما يشدد على مكافحة التهريب وتطبيق المواصفات والمعايير نفسها على المنتجات المحلية والمستوردة، مع استخدام إجراءات مكافحة الإغراق أو الرسوم المؤقتة على بعض السلع النهائية عندما تثبت الحاجة إليها.

كيف تنتقل الصناعة السورية من البقاء إلى التوسع والتصدير؟

يضع عبد الكريم الصناعة أمام أربع مراحل: استقرار التشغيل، رفع الطاقة الإنتاجية المستغلة، الاستثمار في خطوط جديدة، ثم التوسع في التصدير.

ويشير إلى أن عدد المنشآت الصناعية يبلغ نحو 80 ألف منشأة، مقابل 130 ألفاً قبل عام 2011، فيما تضم المدينة الصناعية في عدرا نحو 3757 ترخيصاً، لكن المنشآت العاملة فعلياً لا تتجاوز، بحسب الأرقام التي يستند إليها، نحو 1068 منشأة.

ويرى أن الصناعة تحتاج إلى قروض استثمارية تمتد بين 7 و10 سنوات وبفوائد أقل من 17%، إلى جانب الضمانات وتمويل التجارة والتمويل الإسلامي، مع بيئة ضريبية وقانونية مستقرة.

كما يعتبر أن التصدير ضروري لنمو الصناعة، مع وجود أسواق محتملة في العراق والأردن ولبنان ودول الخليج، شرط تحسين المواصفات وتأمين التحويلات المصرفية ووضع قواعد واضحة للمنشأ والتجارة.

وتحتاج الصناعة، وفق عبد الكريم، إلى رفع إنتاجية العمال وتدريبهم، مع التركيز على القطاعات التي تمتلك سوريا فيها قدرة تنافسية، مثل النسيج والألبسة، والصناعات الغذائية، والأدوية، ومواد البناء، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وبذلك، لا تتوقف قدرة الصناعة السورية على مواجهة الانفتاح على السوق عند حجم الواردات، بل تبدأ من قدرة المصنع المحلي على إنتاج سلعة ذات جودة وسعر يسمحان لها بالمنافسة.