خاص – سناء العلي
بين أعراف تمنح الذكور السيطرة على ممتلكات الأسرة وصعوبات التقاضي، تواجه سوريات عقبات في الحصول على حصصهن الإرثية، فيما تختار بعضهن الصمت خشية القطيعة مع أقربائهن.
في أحد مخيمات النزوح شمال غربي سوريا، تنتظر زينب، وهي امرأة مطلقة وأم لأربعة أطفال، الحصول على نصيبها من أرض ورثتها عن عائلتها، بينما يواصل إخوتها استثمار الأرض وجني محصول الزيتون، دون أن تحصل، بحسب روايتها، على حصتها من العائدات.
تقول زينب لـ “سوريا بلس“: “أسمع أنهم يقطفون موسم الزيتون هذا العام ويعصرون الزيت، بينما أنا أحلم برائحة الزيتون الذي لم نذقه منذ أعوام”.
ولا ترى زينب أن اللجوء إلى القضاء سيضمن لها الانتفاع بميراثها، إذ تخشى أن يمنع إخوتها أي مشترٍ محتمل من شراء حصتها في الأرض.
وتضيف: “حتى وإن أقمت دعوى، فأنا لا أستطيع بيع حصتي، لأن إخوتي سيمنعون الشاري من الشراء”.
وتواجه نساء سوريات خلافات عائلية بشأن الميراث، في ظل أعراف اجتماعية تعطي الأبناء الذكور أولوية الاحتفاظ بالأراضي والعقارات، رغم وجود أحكام قانونية تحدد حقوق الورثة وأنصبتهم.
وتشمل الممارسات التي ترد في شهادات نساء من ريف إدلب حرمانهن من الأراضي الزراعية، أو استبدال حصصهن بمبالغ مالية يحددها أفراد الأسرة، أو الضغط عليهن للتنازل عن حقوقهن لتجنب النزاعات العائلية.
الأرض للذكور.. والنساء يحصلن على “ترضيات”
في ريف معرة النعمان، تقول أم يزن (70 عاماً) لـ “سوريا بلس” إن العرف المتبع في محيطها يقضي بمنح المنزل للابن الأصغر وتوزيع الأراضي بين الأبناء الذكور، على أن تحصل البنات على مبالغ مالية مقابل حصصهن.
وتضيف: “العرف عنا البيت للشب الأصغر، والأرض لكل الصبيان، وهنن بيراضوا أخواتهم البنات. أنا ما بقدر شيل شي وأعطي الصهر، أولادي أولى برزق أبوهم وتعبنا”.
ويقوم هذا العرف على إبقاء ملكية الأراضي داخل العائلة، ومنع انتقال جزء منها إلى عائلات أخرى عن طريق زواج البنات، فيما لا ترتبط المبالغ المقدمة للنساء بالضرورة بالقيمة الفعلية لحصصهن الإرثية.
وفي إحدى قرى جبل الزاوية، تقول خديجة، خ (57 عاماً) إنها لم تحصل على ميراثها من والدها، لكنها امتنعت عن المطالبة به أمام القضاء.
وتوضح: “ما أخدت حقي من ورثتي من أبي، وما رحت اشتكيت، لأن عنا عيب الأخت تشتكي على إخواتها”، مشيرة إلى خشيتها من الخلاف مع إخوتها كانت سبباً في عدم اتخاذ إجراءات قانونية، رغم اعتقادها أن لها حصة في التركة.
زواج “القياض” والميراث
لا تقتصر الخلافات على توزيع الأراضي والعقارات، بل تشمل اتفاقات عائلية تتداخل فيها حقوق الميراث مع ترتيبات الزواج.
وتقول زهرة، المعروفة بأم غازي، إن زوجها وشقيقها اتفقا على عدم حصولها وشقيقة زوجها على حصتيهما من الميراث، في إطار زواج يعرف محلياً باسم “القياض” أو زواج البدائل.
وتروي: “بعد وفاة أبي، وبعده بسنة وفاة والد زوجي، قرر زوجي وأخي ألا أرث أنا ولا ترث أخت زوجي، وكل أخت تكون حصتها مع زوجها”.
وتؤكد أنها لم توافق على الاتفاق، لكنها تخشى أن تؤدي المطالبة بحقوقها إلى خلاف مع زوجها وشقيقها.
وتضيف: “لست راضية بالطبع، فأنا لا أزال لا أملك شيئاً. إن طالبت فسأخسر أخي وزوجي”.
وفي الحالات الثلاث، ترتبط صعوبة الحصول على الميراث بموقف أفراد الأسرة من مطالبة النساء بحصصهن، سواء تعلق الأمر بالتصرف في الأرض أو الاعتراض على اتفاقات توزيع الممتلكات.
القانون يحدد الأنصبة.. والأعراف تعرقل التنفيذ
يقول محمود باكير، مدير الشعبة القانونية لدى مديرية إعلام إدلب، إن قانون الأحوال الشخصية السوري ينظم توزيع الميراث استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية، مع الرجوع إلى المذهب الحنفي في المسائل التي لا يرد بشأنها نص في القانون.
ويوضح أن قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” لا تنطبق على جميع حالات الميراث، إذ تختلف الأنصبة بحسب صلة القرابة وعدد الورثة، وقد تتساوى حصة المرأة مع الرجل أو تزيد عليها في حالات محددة.
وتنص المادة 305 من قانون الأحوال الشخصية على الرجوع إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي في المسائل التي لم يتناولها القانون، فيما تنظم المادة 304 التخارج بين الورثة مقابل عوض معلوم.
ويشير باكير إلى أن حرمان النساء من الميراث يتخذ أشكالاً متعددة، منها حجب سندات الملكية والوثائق العائلية، والضغط للتنازل عن الحصص، أو تسجيل العقارات بأسماء الأبناء الذكور قبل وفاة المورث.
ويضيف أن بعض الخلافات تنشأ بسبب عقود التخارج التي تتنازل بموجبها المرأة عن حصتها مقابل مبلغ مالي، في ظروف قد تتعرض خلالها لضغوط من أفراد الأسرة.
ويتيح القانون التخارج بوصفه اتفاقاً بين الورثة، على أن يستوفي شروطه القانونية، بما فيها الرضا والعوض المعلوم، بينما يمكن الطعن في التصرفات التي يثبت أنها شابها إكراه أو تدليس وفق الأحكام المطبقة على كل حالة.
دراسات ترصد حرمان النساء من الميراث
تناولت دراسة نشرها المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة عام 2023 الممارسات المرتبطة بحرمان النساء من الميراث، بالاستناد إلى استبانة شملت 319 امرأة سورية، إلى جانب مقابلات وشهادات ومجموعات نقاش ضمت قانونيين وناشطين.
وخلصت الدراسة إلى أن العادات الاجتماعية والاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالحفاظ على الممتلكات داخل الأسرة من أبرز العوامل التي تدفع بعض العائلات إلى حرمان النساء من حصصهن.
كما أشارت إلى أن وجود نصوص قانونية تحدد الحقوق الإرثية لا يكفي وحده لضمان حصول النساء عليها، في ظل استمرار الممارسات العرفية التي تقيد وصولهن إلى الممتلكات. ولا تمثل عينة الدراسة تقديراً إحصائياً شاملاً لحجم الظاهرة في سوريا.
وفي تقرير صدر في تموز 2026، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنماطاً من انتهاكات حقوق الملكية التي تعرضت لها نساء سوريات منذ عام 2011.
وتضمن التقرير 35 شهادة لنساء من محافظات مختلفة، جُمعت ضمن أعمال توثيق امتدت من كانون الثاني 2025 إلى آذار 2026، وتناول صعوبات استعادة الممتلكات، بما فيها تعقيد الإجراءات القانونية وارتفاع تكاليفها.
ولا تقتصر الحالات التي تناولها التقرير الحقوقي على النزاعات الإرثية، بل تشمل انتهاكات أخرى مرتبطة بالملكية خلال سنوات النزاع وما بعدها.
التقاضي لاسترداد الحقوق
وفيما يتعلق بإجراءات التقاضي، يقول باكير إن المرأة التي تُحرم من حصتها الإرثية تستطيع اللجوء إلى القضاء، بدءاً من استخراج وثيقة حصر الإرث التي تحدد الورثة وأنصبتهم، وصولاً إلى رفع الدعوى المناسبة لطبيعة النزاع.
وتشمل الإجراءات المحتملة المطالبة بتسليم الحصة الإرثية أو إزالة الشيوع في العقارات المشتركة بين الورثة، إضافة إلى دعاوى منع المعارضة والمطالبة بالعائدات الناتجة عن استثمار الممتلكات، متى توافرت شروطها القانونية.
وفي حال تعذر تقسيم العقار بين الورثة، يمكن أن تقرر المحكمة بيعه بالمزاد العلني وتوزيع ثمنه وفق الحصص المستحقة.
ويشير باكير إلى أن إجراءات التقاضي قد تستغرق أشهراً أو سنوات، تبعاً لطبيعة الدعوى وإجراءات التبليغ والخبرة والطعن في الأحكام، فيما تشكل الرسوم القضائية وأتعاب المحامين والخبراء أعباء إضافية على أصحاب المطالبات.
وتختلف التكاليف والمدد الفعلية من قضية إلى أخرى، ولا تتوافر في المصادر التي جرت مراجعتها إحصاءات قضائية حديثة تتيح تحديد متوسط موثوق لمدة الفصل في دعاوى ميراث النساء على مستوى سوريا.
أما الملاحقة الجزائية، فتتوقف على وجود أفعال تشكل جرائم مستقلة، مثل الاحتيال أو إساءة الأمانة، ولا تنشأ تلقائياً عن كل خلاف بشأن توزيع التركة.
توزيع الميراث بالتراضي
في مقابل حالات النزاع، يقول فارس المحمود، وهو الأخ الأكبر في أسرة توفي والدها، إنه جمع إخوته وأخواته بعد وفاة والدهم للاتفاق على توزيع التركة وفق الأنصبة الشرعية.
ويضيف: “جمعت إخوتي وأخواتي في بيت أبي بعد وفاته، وأحضرنا شيخاً قسم الإرث بما شرع الله، وخرج الكل راضياً برزقه ونصيبه”.
ويؤكد المحمود استعداده للتنازل عن جزء من حصته عند الحاجة، لضمان حصول أخواته على حقوقهن كاملة.
ويطالب باكير بتشديد إجراءات التحقق من رضا الورثة عند توثيق عقود التخارج، والتأكد من معرفتهم بمضمون الاتفاقات وقيمة الحصص التي يتنازلون عنها.
كما يدعو إلى تسهيل إجراءات حصر الإرث وتوفير المساعدة القانونية للنساء غير القادرات على تحمل تكاليف التقاضي، بالتعاون مع الجهات القضائية ونقابة المحامين ومنظمات المجتمع المدني.
وبالنسبة إلى خديجة وزهرة وزينب، ما تزال المطالبة بالميراث مرتبطة باحتمال الدخول في نزاع مع أفراد الأسرة. فالأولى امتنعت عن مقاضاة إخوتها، والثانية تخشى خلافاً مع زوجها وشقيقها، بينما تشكك الثالثة في قدرتها على بيع حصتها من الأرض حتى إذا لجأت إلى القضاء.
وتبقى حقوقهن الإرثية، بحسب شهاداتهن، دون تسوية حتى الآن.