شهدت بعض شوارع دمشق تغيّرات في اللوحات التعريفية والتسميات الظاهرة على الخرائط، بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، من دون صدور قرارات رسمية عن محافظة دمشق باعتماد أسماء جديدة، وفق ما أكدته المحافظة لـ”سوريا بلس”، موضحةً أن التغييرات المرتبطة برموز النظام السابق جاءت بمبادرات شعبية.
وفي محيط ساحة الأمويين، إحدى أبرز ساحات العاصمة السورية، أُزيلت لوحة شارع جواهر لال نهرو، فيما يظهر اسم “شارع حسين هرموش” على خرائط غوغل لأحد الشوارع القريبة من الساحة، التي تضم أيضاً أسماء فايز منصور وعدنان المالكي وشكري القوتلي والمهدي بن بركة، إلى جانب طريق بيروت.
وتعيد هذه التغيّرات فتح النقاش حول تاريخ تسمية شوارع دمشق ودلالات الشخصيات التي تحمل أسماءها، وتطرح تساؤلات بشأن الجهة المسؤولة عن إزالة اللوحات، وما إذا كانت التسميات الجديدة قد اعتُمدت رسمياً أم أنها لا تزال مبادرات غير موثقة بقرارات إدارية.
من باسل الأسد إلى حسين هرموش
ارتبط اسم باسل الأسد، الابن الأكبر لحافظ الأسد، بأحد الشوارع القريبة من ساحة الأمويين والمتجهة نحو منطقة الجمارك. وكان باسل يُقدَّم خلال حكم والده بوصفه الوريث السياسي المحتمل، قبل مقتله في حادث سير عام 1994.
في المقابل، يظهر اسم “شارع حسين هرموش” على خرائط غوغل في المنطقة، في تسمية ترتبط بضابط سوري أعلن انشقاقه عن جيش النظام السابق في حزيران 2011، احتجاجاً على استخدام قوات النظام الرصاص ضد المتظاهرين، وأعلن تأسيس “حركة الضباط الأحرار”.
واعتُقل هرموش في تركيا عام 2011، ثم ظهر في تسجيل مصوّر بثه التلفزيون السوري في عهد النظام السابق، وسط اتهامات بانتزاع اعترافاته تحت التعذيب. وظلت ظروف احتجازه ومصيره موضع تساؤلات.
ويحمل الانتقال من اسم مرتبط بعائلة الأسد إلى اسم ضابط انشق عن الجيش خلال الثورة السورية دلالة سياسية، إذا تأكد اعتماد التسمية الجديدة رسمياً. لكن ظهور الاسم على خرائط غوغل لا يكفي وحده لإثبات صدور قرار رسمي بتغيير اسم الشارع، إذ يتطلب ذلك توثيقاً من الجهات المختصة.
جواهر لال نهرو.. اسم غاب عن اللوحة
يُعد جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها، ومن أبرز الشخصيات السياسية في القرن العشرين. وتولى رئاسة الحكومة الهندية بين عامي 1947 و1964، وكان من الشخصيات المؤسسة لحركة عدم الانحياز، التي سعت إلى تجنب الاصطفاف ضمن معسكري الحرب الباردة.
وحمل أحد شوارع دمشق اسمه، في انعكاس للعلاقات السياسية التي ربطت سوريا بالهند خلال مراحل مختلفة. إلا أن لوحة الشارع لم تعد ظاهرة، وفق المعلومات المتاحة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يقتصر على إزالة اللوحة أم يرتبط بتغيير رسمي للاسم.
ولا تتوافر معلومات موثقة كافية تؤكد صدور قرار رسمي بإلغاء التسمية، أو تحدد الجهة التي أزالت اللوحة وتاريخ ذلك.
طريق بيروت.. تسمية مرتبطة بالجغرافيا
يختلف طريق بيروت عن الشوارع التي تحمل أسماء شخصيات سياسية أو عسكرية؛ إذ ترتبط تسميته بالوجهة الجغرافية التي يقود إليها، أي العاصمة اللبنانية، في انعكاس للعلاقات التاريخية والجغرافية بين دمشق وبيروت.
ويمثل الطريق جزءاً من شبكة المحاور التي تربط العاصمة السورية بمحيطها وبالطرق المؤدية إلى لبنان، فيما يشكل محيط ساحة الأمويين نقطة التقاء لعدد من المحاور الرئيسية في دمشق.
وتعكس هذه التسمية نمطاً مختلفاً في تاريخ أسماء الشوارع؛ فبعضها يستند إلى المدن والوجهات الجغرافية، بينما يرتبط بعضها الآخر بشخصيات سياسية أو عسكرية أو رموز وطنية.
فايز منصور.. طيار سوري يحمل أوتوستراد المزة اسمه
يحمل الطريق المعروف باسم “أوتوستراد الشهيد فايز منصور”، والممتد من محيط ساحة الأمويين باتجاه منطقة المزة ومطارها العسكري، اسم طيار سوري قُتل خلال مواجهة جوية مع إسرائيل عام 1970. ويُعرف الطريق أيضاً باسم “أوتوستراد المزة”، وهو أحد المحاور الرئيسية في غرب دمشق.
وُلد فايز منصور في دمشق عام 1932، والتحق بالكلية الجوية عام 1953، قبل أن يتخرج برتبة ملازم طيار عام 1954. واعتُقل عام 1959 خلال حملة طالت ناشطين شيوعيين وضباطاً وطلاباً.
وبرز منصور في المواجهات الجوية مع إسرائيل، وتتناول روايات تاريخية مشاركته في معارك جوية عدة.
وقُتل في 12 أيار 1970 خلال اشتباك جوي في منطقة العرقوب جنوب لبنان، وفقاً لمصادر تناولت سيرته.
عدنان المالكي.. ضابط في تاريخ الجمهورية السورية
يحمل أحد شوارع دمشق اسم عدنان المالكي، الضابط السوري الذي برز في الحياة العسكرية خلال خمسينيات القرن الماضي.
وُلد المالكي في دمشق عام 1919، وشغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش السوري، قبل اغتياله في 22 نيسان 1955 خلال مباراة لكرة القدم على الملعب البلدي في دمشق.
وأثار اغتياله تداعيات سياسية وأمنية واسعة، وأصبح اسمه لاحقاً من الأسماء التي حضرت في تسمية الشوارع والمؤسسات، ارتباطاً بمرحلة مفصلية من تاريخ الجمهورية السورية.
ويأتي اسم المالكي ضمن مجموعة من التسميات التي تعكس مراحل مختلفة من التاريخ السياسي والعسكري السوري، بعيداً عن رموز عائلة الأسد التي ارتبطت بأسماء شوارع ومرافق عامة خلال حكمها.
شكري القوتلي.. أحد رموز الاستقلال
يُعد شكري القوتلي من أبرز الشخصيات الوطنية السورية التي ارتبط اسمها بمرحلة الاستقلال. وُلد في دمشق عام 1891، وكان من قادة الحركة الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي.
تولى رئاسة الجمهورية السورية بين عامي 1943 و1949، ثم عاد إلى المنصب عام 1955. وفي عام 1958، وافق على قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وتنازل عن الرئاسة لصالح جمال عبد الناصر.
ويحمل اسمه أحد شوارع دمشق، في دلالة على حضوره في الذاكرة الوطنية السورية، ولا سيما في مرحلة النضال من أجل الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة.
المهدي بن بركة.. رمز مغربي لمناهضة الاستعمار
يحمل أحد شوارع دمشق اسم المهدي بن بركة، السياسي المغربي وأحد أبرز وجوه الحركة الوطنية المغربية المعارضة للاستعمار الفرنسي.
وُلد بن بركة في الرباط عام 1920، وبرز في الحياة السياسية المغربية بعد الاستقلال، قبل أن يتجه إلى المعارضة. واختُطف في باريس في 29 تشرين الأول 1965، ولم يُحسم مصيره بصورة نهائية، رغم التحقيقات التي أُجريت حول القضية على مدى عقود.
يعتبر وجود اسمه في شوارع دمشق امتداد حضور رموز سياسية عربية ارتبطت بالنضال ضد الاستعمار والحركات الوطنية في المنطقة.
محافظة دمشق: لم نصدر قراراً بتغيير أسماء الشوارع
محافظة دمشق نفت صدور قرار رسمي بالتعديل أو الإلغاء، وقال علي بكر، مسؤول العلاقات العامة في المحافظة، لـ”سوريا بلس”، إن أي قرار بتغيير أسماء الشوارع يجب أن يصدر عن المحافظة، مؤكداً أنه لم يصدر عنها حتى الآن أي قرار من هذا النوع، باعتبارها الجهة الرسمية المخولة بإصدار هذه القرارات التنظيمية.
وفي ما يتعلق بالأسماء المرتبطة برموز النظام السابق، مثل شارع باسل الأسد وجسر الرئيس ومكتبة حافظ الأسد، أوضح بكر أن التغييرات التي طالتها جاءت بمبادرة من الأهالي، قائلاً إن “الشعب هو الذي قام بهذا الأمر، حيث لا يجب أن يبقى أي اسم يتعلق بالنظام المخلوع”.
شوارع ساحة الأمويين.. ذاكرة المدينة وتحولاتها
شوارع ساحة الأمويين وما يحيط بها من تسميات تُعبر عن طبقات متعددة من تاريخ دمشق؛ فمنها ما يرتبط بالجغرافيا والطرق المؤدية إلى المدن الأخرى، ومنها ما يحمل أسماء شخصيات وطنية وسياسية عربية، فيما ارتبطت أسماء أخرى بمسؤولين ورموز من عهد النظام السابق.
ومع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عاد النقاش حول دلالات هذه التسميات ومدى ارتباطها بالذاكرة العامة والهوية السياسية للمدينة.
لكن التمييز يبقى ضرورياً بين إزالة لوحة شارع، وظهور تسمية على خرائط غوغل، وصدور قرار رسمي بتغيير الاسم. فإثبات التغيير الرسمي يتطلب وثائق أو إعلانات صادرة عن الجهات المختصة، إلى جانب تحديد تاريخ القرار والاسم المعتمد.
وبين نفي محافظة دمشق صدور قرارات رسمية لتغيير أسماء الشوارع، ورصد تغيّرات على الأرض وفي الخرائط، يبقى سؤال بلا إجابة واضحة: من أزال لوحة شارع جواهر لال نهرو من محيط ساحة الأمويين، ومتى حدث ذلك، وهل كان الأمر مبادرة فردية أم خطوة ضمن تغييرات أوسع لم تُوثّق رسمياً؟
وبين أسماء تختفي وأخرى تظهر، تظل شوارع دمشق سجلاً مفتوحاً لتحولات السياسة والمجتمع، فيما تبقى دقة توثيق هذه التغيّرات شرطاً أساسياً لفهم ما تبدّل في المدينة وما لا يزال ينتظر التوضيح.