وضعت الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في جنوبي سوريا، في 26 تشرين الأول، العلاقات بين دمشق وعمّان أمام اختبار سياسي وأمني، بعد أيام من إعلان البلدين التوجه نحو تطوير علاقاتهما إلى شراكة استراتيجية، وسط خلاف بشأن التنسيق المسبق وسقوط ضحايا مدنيين.
وجاءت الضربات، التي قالت عمّان إنها استهدفت مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مرتبطة بهجوم على كنيسة في محافظة الكرك الأردنية، في وقت أعلنت فيه الحكومة السورية مقتل سبعة مدنيين، بينهم امرأة وثلاثة أطفال، وأدانت تنفيذ العملية داخل الأراضي السورية.
ورغم التوتر الذي أعقب الغارات، اتجه البلدان إلى احتواء تداعياتها عبر اتصالات دبلوماسية أسفرت عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة وإعادة فتح معبر نصيب الحدودي، في خطوات أبقت مسار التعاون قائماً، لكنها لم تحسم الخلاف بشأن السيادة وآليات التنسيق الأمني ومنع تكرار عمليات مماثلة.
شراكة استراتيجية سبقت الغارات بأيام
في 22 تشرين الأول، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مباحثات مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في مدينة العقبة، تناولت تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
وأكد الجانبان أهمية الانتقال بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ومتابعة المشاريع المشتركة، والتحضير لعقد الدورة الثالثة لمجلس التنسيق الأعلى الأردني السوري في دمشق يومي 8 و9 تشرين الثاني.
وجاء اللقاء في سياق التقارب الذي شهدته العلاقات بين البلدين بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، ولا سيما في ملفات أمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب التجارة والطاقة والمياه والنقل.
غير أن هذا التقارب واجه اختباراً بعد أيام، إثر غارات جوية أردنية استهدفت مناطق في جنوبي سوريا، وأعلنت الحكومة السورية أنها أسفرت عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم امرأة وثلاثة أطفال، وإصابة آخرين في ريفي درعا والسويداء.
وسبقت الغارات عملية مسلحة استهدفت مشيعين في كنيسة القديس جاورجيوس ببلدة حمود في محافظة الكرك الأردنية، في 23 تشرين الأول، وأسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات.
وفي 26 تشرين الأول، أعلن الجيش الأردني تنفيذ عملية جوية حملت اسم “الردع الأردني – حمود”، استهدفت مواقع داخل الأراضي السورية، زاعماً أنها تعود إلى تنظيمات إرهابية مرتبطة بالهجوم على الكنيسة.
وبررت عمّان الغارات بوجود تهديدات لأمن المملكة، وقال مسؤولون أردنيون إن العملية استندت إلى معلومات ميدانية واستخبارية، فيما زعم وزير الاتصال الحكومي محمد المومني مقتل أكثر من 20 عنصراً من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتدمير مستودع أسلحة.
في المقابل، أكدت الخارجية السورية سقوط ضحايا مدنيين جراء القصف، وأدانت وزارة الخارجية الغارات، معتبرة أنها انتهاك للسيادة الوطنية واختراق للأجواء السورية، ومشددة على أنها نُفذت دون تنسيق مسبق مع دمشق.
وتناقض الموقف السوري مع بيان الجيش الأردني الذي ادعى تنفيذ العملية بالتنسيق مع الحكومة السورية، ما أثار خلافاً بشأن طبيعة الاتصالات التي سبقت الغارات، فضلاً عن التباين في تحديد المواقع المستهدفة وحصيلة الخسائر.
وفي 28 تشرين الأول، استدعت وزارة الخارجية السورية السفير الأردني في دمشق سفيان القضاة، وسلمته مذكرة احتجاج رسمية على الغارات، بالتزامن مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية بين البلدين لاحتواء تداعيات الحادثة.
معبر نصيب واللجنة المشتركة.. خطوات لاحتواء الأزمة
امتدت تداعيات الغارات إلى معبر نصيب الحدودي، أحد أبرز المنافذ البرية لحركة المسافرين والتبادل التجاري بين سوريا والأردن.
ففي 27 تشرين الأول، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إغلاق المعبر وتعليق حركة المسافرين والتجارة في الاتجاهين، على خلفية التطورات الأمنية في محافظة درعا.
وأثار القرار مخاوف من انعكاس التوتر على حركة الشاحنات والبضائع والمسافرين، خصوصاً أن المعبر يمثل ممراً تجارياً مهماً بين البلدين وبوابة برية لحركة النقل نحو أسواق إقليمية.
لكن الإغلاق لم يستمر طويلاً، إذ أعلنت دمشق استئناف حركة المسافرين والشحن التجاري صباح 28 تشرين الأول، عقب اتصالات بين مسؤولي البلدين، ما حدّ من احتمالات استمرار تعطيل المصالح الاقتصادية المشتركة.
وبالتوازي، اتفق وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي، على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لدراسة تفاصيل الغارات وتداعياتها،
والعمل على تطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري.
وأكد الصفدي احترام الأردن لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها واستقرارها، معرباً عن أسفه وألمه لسقوط ضحايا مدنيين خلال العملية، فيما شدد الوزيران على أهمية استمرار التعاون لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، وفي مقدمتها الإرهاب وتهريب المخدرات والأسلحة.
وقال الشيباني إن اللجنة الأمنية المشتركة ستباشر أعمالها قريباً، بهدف معالجة تداعيات الحادثة وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
وتضع هذه التطورات اللجنة أمام مهمة تتجاوز مراجعة تفاصيل العملية العسكرية، لتشمل معالجة الخلاف بشأن التنسيق المسبق، ووضع ترتيبات واضحة للتعامل مع التهديدات الأمنية العابرة للحدود ومنع تكرار الغارات.
عصمت العبسي: الثقة الأمنية هي الخسارة الأبرز
يرى الخبير الأمني والاستراتيجي عصمت العبسي، في تصريح لـ”سوريا بلس”، أن التطورات التي أعقبت الغارات خلال أربعة أيام كشفت طبيعة الخلاف بين دمشق وعمّان، وحدود قدرة الطرفين على احتوائه.
ويشير العبسي إلى أن العملية نقلت ملف الغارات من خلاف بشأن تحرك عسكري إلى قضية رسمية مطروحة بين البلدين، بعد الاحتجاج الدبلوماسي السوري وتشكيل اللجنة الأمنية المشتركة لمراجعة تفاصيل الحادثة وتداعياتها.
ويعتبر أن مذكرة الاحتجاج السورية لم تعنِ بالضرورة التوجه نحو التصعيد، بل شكلت تثبيتاً للموقف الرسمي المتعلق بالسيادة وسقوط الضحايا المدنيين، وربطاً للحادثة بمسؤولية يتعين على اللجنة المشتركة بحثها.
وفي قراءته للموقف الأردني، يلفت إلى أن إعلان الأسف لسقوط مدنيين والتأكيد على احترام السيادة السورية لم يترافقا، حتى الآن، مع إعلان قواعد ملزمة للتنسيق المسبق أو تغيير واضح في آليات التعامل مع التهديدات الأمنية على الحدود.
ويقول العبسي إن الثقة الأمنية تمثل الخسارة الأبرز التي خلفتها الغارات، لأنها لا تُستعاد بالتصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى إجراءات عملية تشمل الإشعار المسبق، وتبادل المعلومات، والتحقق المشترك من المعطيات الأمنية، وتحديد الأهداف بما يمنع تعريض المدنيين للخطر.
ويحذر من أن أي عملية مماثلة مستقبلاً ستُقاس على ضوء ما جرى في درعا وما ستتوصل إليه اللجنة المشتركة، معتبراً أن نجاحها يتوقف على الانتقال من التحقيق في حادثة واحدة إلى وضع آلية دائمة للتنسيق الأمني والاستخباري.
المشاقبة: دوافع أمنية وراء الغارات ومصالح مشتركة تحكم العلاقات
من جانبه، يرى الوزير الأردني السابق وأستاذ السياسة المقارنة أمين المشاقبة أن الغارات جاءت استجابة لاعتبارات أمنية مرتبطة بالتهديدات التي أعقبت الهجوم على الكنيسة في محافظة الكرك، وليست مرتبطة بمسار العلاقات السياسية بين الأردن والسلطات السورية.
ويقول المشاقبة، في تصريح لـ”سوريا بلس”، إن المعلومات الأمنية المتعلقة بتواصل منفذي هجوم الكنيسة مع خلايا متطرفة في منطقة درعا أظهرت، بحسب المعطيات التي استند إليها، تكثيفاً للاتصالات قبل الهجوم، وتراجعاً خلالها، ثم ارتفاعاً جديداً بعد انتهائه.
ويضيف أن هذه المعطيات دفعت الأردن إلى تنفيذ العملية العسكرية بهدف منع تطورات أمنية محتملة من جانب تنظيم داعش في منطقة شمال شرقي درعا، معتبراً أن الدافع الأساسي كان حماية أمن المملكة، وليس استهداف الدولة السورية أو العلاقات الثنائية.
ويشير إلى أن اللجنة المشتركة تتيح للطرفين مراجعة ملابسات الغارات والاطلاع على المواقع المستهدفة وآثار العملية، إلى جانب تحديد هويات الضحايا وأعدادهم.
ولا يستبعد المشاقبة إمكانية تقديم مساعدات أو تعويضات للعائلات السورية المتضررة، لكنه يوضح أن ذلك لا يزال في إطار التوقعات، ولم يتحول إلى قرار معلن أو التزام رسمي.
ويشدد على أن العلاقات الأردنية السورية تستند إلى روابط اجتماعية وديمغرافية ومصالح اقتصادية متداخلة، تجعل استقرار كل بلد مرتبطاً باستقرار الآخر، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تجمع سكان شمال الأردن وجنوب سوريا.
ويعتبر أن البلدين يشكلان وحدة أمنية مترابطة، إذ تنعكس التطورات الأمنية في سوريا على الأردن، كما يمكن لأي اضطراب داخل المملكة أن تكون له تداعيات على الجانب السوري.
أمن الحدود.. تحديات تتجاوز الغارات
تأتي الأزمة في ظل تحديات أمنية متراكمة على الحدود السورية الأردنية، التي تمتد لنحو 372 كيلومتراً، وشهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً لشبكات تهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب مجموعات مسلحة وخلايا متطرفة.
ويربط المشاقبة هذه التحديات بمرحلة النظام السوري السابق، وما شهدته الحدود خلالها من عمليات تهريب تركت آثاراً أمنية واجتماعية داخل الأردن.
ويوضح أن ضبط الحدود لا يقتصر على منع التهريب، بل يتطلب وجود قدرات أمنية وعسكرية كافية على الجانب السوري، بما يسمح بملاحقة الخلايا النائمة والمجموعات التي قد تشكل تهديداً لأمن البلدين.
ويلفت إلى أن طول الحدود وتداخل التضاريس والمناطق السكانية، إضافة إلى وجود أجزاء من منطقة حوض اليرموك غرب درعا ضمن مناطق خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، تجعل إدارة الملف الأمني أكثر تعقيداً.
ويشير كذلك إلى وجود أكثر من مليون و250 ألف سوري في الأردن، وفق الأرقام التي أوردها في تصريحه، معتبراً أن الروابط السكانية والاجتماعية تجعل تداعيات أي توتر طويل الأمد تتجاوز العلاقات السياسية الرسمية.
ومن وجهة نظره، فإن تطوير قدرات المؤسسات الأمنية السورية وتعزيز التعاون مع الأردن يمثلان ضرورة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما يحفظ في الوقت نفسه سيادة سوريا على أراضيها.
المصالح الاقتصادية.. عامل يمنع اتساع الخلاف
رغم الخلاف الأمني، تبقى المصالح الاقتصادية والتجارية عاملاً مهماً في استمرار التواصل بين دمشق وعمّان، ولا سيما في ملفات النقل والطاقة والمياه والتبادل التجاري.
ويمثل الأردن ممراً مهماً للتجارة السورية باتجاه الأسواق الإقليمية، فيما تشكل الأراضي السورية طريقاً حيوياً لحركة النقل والتجارة الأردنية نحو الشمال.
ويرى العبسي أن إعادة فتح معبر نصيب بسرعة أظهرت صعوبة تحمّل البلدين خسارة شريان اقتصادي حدودي بهذا الحجم، في حين يعتبر المشاقبة أن الروابط الاجتماعية والمصالح المتبادلة تجعل الحفاظ على استقرار العلاقات ضرورة للطرفين.
ويشير العبسي أيضاً إلى أن مكافحة تنظيم داعش والتعاون مع التحالف الدولي يشكلان عاملين إضافيين يدفعان البلدين إلى مواصلة التنسيق، رغم الخلافات المتعلقة بالغارات، نظراً إلى طبيعة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
ويعتبر أن الغارات لم تؤدِّ إلى كسر العلاقة بين دمشق وعمّان، لكنها كشفت حدود الثقة القائمة بينهما، وأظهرت أن استمرار الشراكة يحتاج إلى آليات عملية تتجاوز البيانات والتفاهمات العامة.
ويلخص العبسي موقفه بالقول إن العلاقة خرجت من الحادثة “منحنية لا مكسورة”، معتبراً أن نتائج اللجنة الأمنية ستحدد ما إذا كان الطرفان قادرين على تحويل الأزمة إلى فرصة لتطوير التنسيق، أم أن الخلاف سيبقى قائماً خلف التصريحات الرسمية.
وفي هذا السياق، يكتسب اجتماع مجلس التنسيق الأعلى الأردني السوري، المقرر عقده في دمشق يومي 8 و9 تشرين الثاني، أهمية سياسية إضافية، بوصفه محطة لاختبار قدرة البلدين على مواصلة التعاون في الملفات المشتركة رغم التوتر الأمني.
اللجنة الأمنية أمام اختبار منع تكرار الغارات
تواجه اللجنة الأمنية المشتركة تحدياً يتمثل في معالجة الخلاف بشأن الغارات الأخيرة، وتحديد آليات واضحة لتبادل المعلومات والتحقق من التهديدات والتنسيق قبل تنفيذ أي عمليات عسكرية قد تطال الأراضي السورية.
فنجاح اللجنة في التوصل إلى ترتيبات عملية قد يفتح المجال أمام تعاون أمني أكثر تنظيماً بين البلدين، بينما قد يؤدي غياب التفاهمات الملزمة إلى استمرار التوجس المتبادل، واحتمال تجدد الخلاف عند وقوع أي تهديد أمني جديد.
ولا تقتصر أهمية هذه التفاهمات على العلاقات الدبلوماسية، إذ ترتبط أيضاً بحماية سكان المناطق الحدودية ومنع تكرار الضربات وتأمين الاستقرار في مناطق عانت سنوات من الاضطراب الأمني.
وبين الاحتجاج السوري والتبريرات الأمنية الأردنية، تبقى نتائج اللجنة المشتركة المعيار الأبرز لقياس قدرة دمشق وعمّان على تجاوز الأزمة، وتحويل الشراكة المعلنة من تفاهمات سياسية إلى إجراءات أمنية قابلة للتنفيذ