دمج جامعات شمال شرقي سوريا.. مصير الطلاب والأساتذة ؟

حجم الخط

يفتح قرار دمج جامعات ومؤسسات تعليمية في شمال سوريا وشمال شرقيها ضمن الجامعات الحكومية السورية أسئلة تتجاوز تغيير المرجعية الإدارية، لتصل إلى مستقبل الطلاب، والاعتراف بالشهادات، ومصير أعضاء الهيئات التدريسية، والاختصاصات التي ستستمر بعد الدمج، فضلاً عن لغة التدريس، ولا سيما في المؤسسات التي كانت تعتمد اللغة الكردية في بعض برامجها التعليمية.

وبينما بدأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الإعلان عن خطوات تنفيذية للقرارات، لا تزال تفاصيل تتعلق بمعادلة المقررات، ومعايير تسوية أوضاع الكوادر، وطبيعة التغييرات التي ستطرأ على المناهج، بحاجة إلى توضيح، وسط مخاوف لدى الطلاب من انعكاس هذه الإجراءات على مسيرتهم الجامعية.

في 18 تشرين الأول 2026، أصدر مجلس التعليم العالي أربعة قرارات تتعلق بدمج مؤسسات جامعية ضمن الجامعات الحكومية السورية، شملت جامعة روجافا في القامشلي وجامعة كوباني في عين عرب، إضافة إلى فرع جامعة غازي عنتاب في محافظة حلب وفرع جامعة العلوم الصحية في مدينة الراعي. بموجب القرارات، أُلحقت جامعة روجافا بجامعة الفرات، وجامعة كوباني بجامعة حلب، كما أُدمج فرعا جامعة غازي عنتاب والعلوم الصحية ضمن جامعة حلب.

وتقول وزارة التعليم العالي إن الخطوة تأتي في إطار توحيد المرجعية الأكاديمية والإدارية، وتنظيم أوضاع الطلاب والكوادر التدريسية والإدارية، ومواءمة المناهج مع المعايير المعتمدة في الجامعات الحكومية السورية.

ماذا يعني الدمج على أرض الواقع؟

لا يعني دمج الجامعات بالضرورة نقل مقارها وكلياتها إلى المدن التي توجد فيها الجامعات الأم، إذ أعلنت وزارة التعليم العالي، في 30 تشرين الأول، الإبقاء على مجمع كليات القامشلي تابعاً لجامعة الفرات، إلى حين صدور قانون بإحداث جامعة مستقلة في محافظة الحسكة، وعلى مجمع كليات عين عرب تابعاً لجامعة حلب. وبذلك تستمر المجمعات الجامعية في مناطقها، فيما تنتقل مرجعيتها الأكاديمية والإدارية إلى الجامعات الحكومية التي أُلحقت بها.

وتشمل المرحلة الحالية استكمال إجراءات تسوية أوضاع الطلاب والكوادر التدريسية والإدارية، ومراجعة المناهج والاختصاصات، إلى جانب معالجة الملفات الأكاديمية والإدارية المرتبطة بعملية الانتقال.

وفي ما يتعلق بفرع جامعة غازي عنتاب في محافظة حلب، حسم مجلس التعليم العالي دمجه ضمن جامعة حلب بموجب القرار رقم 70، لتصبح الكليات التابعة له جزءاً من الجامعة الحكومية، وتشمل كلية التربية في عفرين باختصاصَي الرياضيات ومعلم الصف، وكلية العلوم الإسلامية في أعزاز، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في الباب.

وقال يوسف خرفان، مدير المكتب الإعلامي في جامعة حلب، في تصريح خاص بسوريا بلس، إن الجامعة باشرت الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، مؤكداً أن ما حُسم رسمياً هو مبدأ الدمج، فيما لا تزال الإجراءات الإدارية والتنظيمية المرتبطة به قيد الاستكمال.

الشهادات والسنوات الدراسية.. ما الذي تقرر؟

نصت قرارات مجلس التعليم العالي على اعتبار الشهادات الممنوحة من الكليات والمعاهد المشمولة بالدمج معادلة للشهادات التي تمنحها الكليات والمعاهد المماثلة في الجامعات الحكومية السورية.

وفيما يتعلق بفرع جامعة غازي عنتاب، أوضح خرفان أن جامعة حلب باشرت إجراءات معالجة أوضاع الشهادات والوثائق الجامعية، تنفيذاً للقرار الذي كلفها تدقيق الوثائق والتحقق من صحتها قبل التصديق عليها.

وتشمل الوثائق المطلوبة، بحسب خرفان، وثائق القبول الجامعي والشهادة الثانوية ومصدقات التخرج وكشوف الدرجات وقرارات التخرج ووثائق الحياة الجامعية وتوصيف المقررات الدراسية، بهدف التأكد من سلامة السجلات الأكاديمية وحفظ حقوق الطلاب.

كما سمح القرار لخريجي الكليات المشمولة به بالتقدم إلى مفاضلات الدراسات العليا وفق الأسس والقواعد المعتمدة. أما الطلاب الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة، فتتضمن آلية نقلهم معادلة المقررات الدراسية وقبول كل طالب في السنة التي وصل إليها.

وبحسب القرار، يُمنح الطلاب العام الدراسي 2026-2027 من دون احتسابه من مدد الإبقاء الجامعي، على أن يبدأ احتساب هذه المدد اعتباراً من العام الدراسي 2027-2028. كما تُحمَّل للطالب مقررات إدارية نتيجة اختلاف المناهج لمدة عامين، وتُعدّ مُرسِّبة في نهاية العام الدراسي 2027-2028.

وأشار خرفان إلى أن هذه الإجراءات تهدف إلى معالجة الفروقات بين الخطط الدراسية، بما يضمن استمرار الطلاب في مسيرتهم التعليمية وفق القواعد المحددة في القرار. كما نص القرار على تسديد الطلاب المنقولين إلى الجامعات الحكومية رسوم التعليم الموازي المعتمدة للعام الدراسي 2026-2027.

اللغة الكردية.. هل تستمر لغة للتدريس؟

يعد ملف اللغة الكردية من أبرز الأسئلة المرتبطة بعملية الدمج، خصوصاً في جامعة روجافا التي كانت تضم اختصاصات مرتبطة باللغة والأدب الكردي، إلى جانب برامج تعليمية أخرى. وتبرز تساؤلات حول ما إذا كانت اللغة الكردية ستبقى لغة للتدريس في بعض الكليات، أم سيقتصر حضورها على اختصاص أكاديمي مستقل، وما إذا كانت المناهج التي كانت تُقدَّم بها ستخضع لتغييرات بعد انتقال الجامعة إلى مرجعية جامعة الفرات.

ما الاختصاصات التي ستستمر؟

تضمنت قرارات الدمج مراجعة للاختصاصات الجامعية، إذ سُمح باستمرار القبول في عدد محدد منها، فيما أُوقف القبول في اختصاصات أخرى إلى حين دراستها من لجنة الخطط والمناهج في مجلس التعليم العالي، والتحقق من توافر الموارد البشرية والمادية اللازمة.

وفي فرع جامعة غازي عنتاب، حدد القرار استمرار القبول في كلية التربية باختصاصَي الرياضيات ومعلم الصف للعام الدراسي 2026-2027، فيما أُوقف القبول في بقية الاختصاصات إلى حين دراستها من اللجنة المختصة.

وأوضح خرفان أن وقف القبول لا يعني حسم مصير تلك الاختصاصات، إذ ستخضع للدراسة والتحقق من توافر الإمكانات اللازمة لاستمرارها.

أما في جامعة روجافا، فتتضمن تفاصيل القرار المنشورة استمرار القبول في اختصاصات من بينها اللغة العربية واللغة الكردية والترجمة، إلى جانب اختصاصات أخرى في العلوم الإنسانية والطبيعية، فيما أُوقف القبول في اختصاصات أخرى ريثما تنتهي لجنة الخطط والمناهج من دراستها. ولا يعني وقف القبول في هذه الاختصاصات إلغاءها نهائياً، إذ ربطت القرارات مصيرها بنتائج التقييم الأكاديمي وتوافر الإمكانات اللازمة لاستمرارها.

ولم تفصّل القرارات المنشورة معايير تقييم الكليات والمناهج والكوادر، أو أسس اختيار الاختصاصات التي يستمر القبول فيها.

مصير الأساتذة والعاملين الإداريين

لم تقتصر قرارات الدمج على الطلاب والشهادات، بل شملت أيضاً أوضاع أعضاء الهيئات التدريسية والفنية والعاملين الإداريين في المؤسسات الجامعية.

وبحسب القرار الخاص بفرع جامعة غازي عنتاب، تتم تسوية أوضاع العاملين الإداريين والتعاقد معهم للعمل في جامعة حلب وفق القواعد والأنظمة المعتمدة لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع منحهم مهلة ثلاثة أشهر للالتحاق اعتباراً من الأول من تشرين الثاني 2026، على أن يفقد العامل حقه بالتسوية إذا لم يلتحق خلال المدة المحددة.

أما أعضاء الهيئة التعليمية التدريسية والفنية، فتتم تسوية أوضاعهم والتعاقد معهم للعمل في الجامعة بصورة مؤقتة، ريثما يتم تعيينهم أصولاً وفق الأنظمة المعتمدة، مع منحهم المهلة نفسها للالتحاق. ويحق للأعضاء السوريين منهم التقدم إلى إعلانات التوظيف في الجامعات الحكومية.

وأوضح خرفان أن الجامعة تعمل على استكمال إجراءات معالجة أوضاع العاملين، إلى جانب تنظيم الملفات والسجلات الجامعية، واستكمال عمليات تدقيق الوثائق والشهادات وتصديقها بعد التحقق من صحتها.

الطلاب بين القلق من التغيير والرغبة في الاستقرار

بالنسبة إلى الطلاب، لا يتوقف القلق عند الاعتراف بالشهادات، بل يمتد إلى التغييرات المحتملة في المقررات وآليات التدريس والدوام والامتحانات، وما قد يترتب عليها من صعوبات خلال انتقالهم إلى المرجعية الجامعية الجديدة. ويرى عبد الله الساير، طالب السنة الخامسة في كلية الهندسة البترولية بجامعة الفرات، أن الدمج قد يشكل خطوة إيجابية، لكنه قد يحمل آثاراً سلبية إذا لم يسبقه تخطيط كافٍ.

ويوضح أن التغييرات المحتملة في الأنظمة الجامعية والمقررات وآلية تقديم المحاضرات، إلى جانب الحاجة إلى عدد أكبر من أعضاء الهيئة التدريسية في بعض الاختصاصات، قد تخلق صعوبات إضافية أمام الطلاب. ويعتبر أن القرار كان يحتاج إلى دراسة أوسع قبل صدوره، مع وضع آلية واضحة تضمن عدم تأثر مستقبل الطلاب الدراسي.

من جهته، يرى محمد حاج طه، طالب السنة الثالثة في كلية العلوم بجامعة الفرات، أن دمج الجامعات قد ينعكس سلباً على الطلاب نتيجة التغييرات المحتملة في الأنظمة التعليمية والإدارية. ويقول إن الأفضل، من وجهة نظره، كان بقاء كل جامعة ضمن منطقتها مع تبعيتها لوزارة التعليم العالي، مشيراً إلى حاجة الطلاب للاستقرار والوضوح بشأن مستقبلهم الدراسي، بعيداً عن التغييرات التي قد تطال المقررات والدوام والامتحانات.

وللحصول على توضيحات بشأن مخاوف الطلاب وآليات تنفيذ قرارات الدمج، تواصل مراسل سوريا بلس مع نائب مدير جامعة الفرات، من دون تلقي رد حتى إعداد التقرير.

وتعكس إفادتا الطالبين مخاوف تتعلق باستقرار العملية التعليمية، في وقت لا تزال فيه تفاصيل تنفيذ القرارات قيد الاستكمال.

مرحلة انتقالية وأسئلة مفتوحة

تضع قرارات مجلس التعليم العالي مؤسسات جامعية كانت تعمل بمرجعيات مختلفة ضمن منظومة جامعية حكومية واحدة، لكن نجاح هذه الخطوة يرتبط بآليات تنفيذها، وقدرتها على الحفاظ على استمرارية التعليم وصون حقوق الطلاب والكوادر.

وبينما حسمت القرارات مسألة التبعية الجامعية، وأعلنت الوزارة الإبقاء على مجمعَي القامشلي وعين عرب في موقعيهما، لا تزال ملفات لغة التدريس، ومعايير تسوية أوضاع الأساتذة، ومصير الاختصاصات التي أُوقف القبول فيها، وأعداد الطلاب المشمولين بالدمج بحاجة إلى إجابات واضحة.