أعاد إحباط مخطط لاستهداف مصفاة حمص النفطية، وسط سوريا، تسليط الضوء على هشاشة منظومة التكرير المحلية، في وقت رفعت فيه المصفاة طاقتها إلى نحو 55 ألف برميل يومياً، بينما لا تزال البلاد تعتمد على الاستيراد لتغطية جانب كبير من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما يجعل أي تعطّل محتمل للمنشأة ذا انعكاسات مباشرة على إمدادات الوقود وتكاليف تأمينه.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء 3 تشرين الثاني، إحباط مخطط قالت إن خلية مرتبطة بـ”حزب الله” اللبناني كانت تعتزم تنفيذه ضد مصفاة حمص، مشيرة إلى اعتقال أفراد الخلية وضبط عبوات ناسفة كانت معدّة لتنفيذ الهجوم.
وكان جهاز الاستخبارات العامة قد كشف، الأحد الماضي، عن إحباط مخطط لاستهداف المصفاة، دون تحديد الجهة المتورطة حينها، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”.
55 ألف برميل يومياً.. ما أهمية المصفاة؟
تُعد مصفاة حمص إحدى مصفاتين رئيسيتين في سوريا، إلى جانب مصفاة بانياس، وتؤدي دوراً أساسياً في تحويل النفط الخام إلى مشتقات تستخدم في النقل والتدفئة والصناعة وتشغيل المنشآت الاقتصادية.
وفي 21 تشرين الأول الماضي، أعلنت الشركة السورية للبترول إعادة تشغيل وحدة التقطير الجوي رقم 10، عقب أعمال صيانة وتأهيل، ما رفع الطاقة التكريرية للمصفاة إلى نحو 55 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 30 ألف برميل كانت تعالجها في أيلول، وفق بيانات وزارة الطاقة.
وتعني الزيادة المعلنة إضافة قدرة تكريرية تبلغ نحو 25 ألف برميل يومياً، أي ارتفاعاً يقارب 83% مقارنة بمستوى أيلول، دون أن يعني ذلك بالضرورة تشغيل المصفاة بكامل طاقتها بصورة مستمرة.
وبالاستناد إلى تصريحات وزير الطاقة محمد البشير، التي قدّر فيها احتياجات سوريا بنحو 300 ألف برميل يومياً من النفط، تعادل الطاقة التكريرية المعلنة لمصفاة حمص نحو 18% من حجم الاحتياج الوطني الإجمالي.
سوق تعتمد على الاستيراد
وفقاً لـ “بيانات وزارة الطاقة” فإنّ حجم الضغوط التي تواجه سوق المحروقات السورية، إذ أعلنت في أيلول أن الإنتاج المحلي من النفط الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 و325 ألف برميل.
، قدرت الوزارة، في وقت سابق، الاحتياجات اليومية من المازوت بنحو 7.72 ملايين ليتر، منها 3.09 ملايين ليتر إنتاج محلي، مقابل 4.63 ملايين ليتر يجري تأمينها عبر الاستيراد.
أما البنزين، فبلغ متوسط الإمدادات اليومية نحو 2.32 مليون ليتر، منها 1.54 مليون ليتر من الإنتاج المحلي ونحو 775 ألف ليتر مستورد.
وتشير هذه الأرقام إلى اعتماد السوق على الواردات لتأمين نحو 60% من إمدادات المازوت و33% من إمدادات البنزين، وفق البيانات الإجمالية التي أعلنتها الوزارة آنذاك.
وفي المقابل، قدم وزير الطاقة محمد البشير خلال أيلول تقديرات أوسع للاستهلاك اليومي بلغت نحو 12 مليون ليتر من المازوت وثمانية ملايين ليتر من البنزين، ما يعكس اختلاف نطاق البيانات بين كميات الإمداد المسجلة والاحتياجات الإجمالية المقدرة.
كم تبلغ القيمة الاقتصادية لإنتاجها؟
تعادل الطاقة التكريرية المعلنة لمصفاة حمص، والبالغة 55 ألف برميل يومياً، نحو 8.75 ملايين ليتر من النفط الخام قبل عمليات التكرير، باحتساب 159 ليتراً للبرميل الواحد.
وبالاستناد إلى سعر افتراضي يبلغ 100 دولار لبرميل النفط الخام، تصل القيمة الإجمالية النظرية للخام الذي تستطيع المصفاة معالجته إلى نحو 5.5 ملايين دولار يومياً، أو 165 مليون دولار خلال 30 يوماً من التشغيل عند المستوى نفسه.
لكن هذه القيمة لا تمثل أرباح المصفاة أو قيمة مبيعات مشتقاتها، كما لا يمكن اعتبارها خسارة مالية صافية في حال توقفها، نظراً إلى ضرورة احتساب أسعار المنتجات المكررة وتكاليف الخام والتشغيل وإمكان تعويض الإنتاج بالاستيراد.
وتبرز الأهمية الاقتصادية للمصفاة بصورة أكبر عند النظر إلى تكلفة المشتقات الجاهزة، إذ أعلنت وزارة الطاقة في أيلول أن سعر طن المازوت في الأسواق التي تتابعها اقترب من 1400 دولار، مقابل نحو 1350 دولاراً لطن البنزين، في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وبالتالي، فإن أي توقف طويل للمصفاة قد يفرض تأمين كميات إضافية من المشتقات المستوردة، ما يزيد الحاجة إلى القطع الأجنبي ويرفع الأعباء المالية على منظومة الإمداد.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
لا تقتصر انعكاسات تعطّل المصفاة على قطاع النفط، إذ ترتبط إمدادات المازوت والبنزين والفيول بكلفة النقل والإنتاج الصناعي والزراعي، فضلاً عن التدفئة وتشغيل بعض منشآت الطاقة.
وكانت وزارة الطاقة قد ربطت تعديل أسعار المحروقات في أيلول بارتفاع تكلفة تأمين المشتقات عالمياً، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة شاملة، ما زاد الحاجة إلى الاستيراد.
ويعني ذلك أن انخفاض قدرة التكرير المحلية قد يوسع الفجوة بين الكميات المنتجة والاحتياجات الفعلية، ويزيد تعرض السوق لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل والتأمين.
ولا يؤدي توقف المصفاة بالضرورة إلى ارتفاع فوري في الأسعار، إذ يعتمد ذلك على حجم المخزون المتاح، وقدرة الحكومة على تأمين شحنات بديلة، وسياسة تسعير المحروقات.
تحديات تتجاوز محاولة الاستهداف
يأتي المخطط المُحبط في وقت تعمل فيه سوريا على إعادة تأهيل منشآتها النفطية ورفع طاقاتها الإنتاجية، بالتوازي مع خطط لإنشاء مصفاة جديدة في منطقة الفرقلس بريف حمص الشرقي، بطاقة تصميمية مستهدفة تبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً.
كما تواجه خطوط نقل النفط والمشتقات اعتداءات متكررة، ما يضيف تحديات أمنية إلى المشكلات الفنية والمالية التي يعاني منها القطاع.
وفي ضوء الاعتماد الكبير على الواردات، لا تقتصر أهمية حماية مصفاة حمص على استمرار تشغيل منشأة صناعية، بل تمتد إلى الحفاظ على جزء من القدرة المحلية لتأمين الوقود وتقليص الحاجة إلى شراء المشتقات الجاهزة من الأسواق الخارجية.