fbpx

البرلمان الأوروبي.. جائزة لعلي فرزات وأخرى للأسد!


*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام 1991، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه.
علي فرزات
علي فرزات

حصل الفنان السوري المبدع علي فرزات على جائزة “ساخاروف” التي يقدمها البرلمان الأوروبي تكريماً للأشخاص الذين كرسوا حياتهم للدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر.
إلى هنا يبدو الخبر مفرحاً للسوريين، ليس فقط بسبب الاعتراف بقيمة فرزات الفنية والفكرية والإنسانية، بل لأن الرسالة الأهم التي تنقلها الجائزة تؤكد بأن الاتحاد الأوروبي لا يزال يؤمن بحقوق الإنسان وحرية الفكر، وبالتالي بعدالة القضية السورية، بدليل منحه الجائزة لأحد أهم رموز تلك القضية وأحد أهم المناضلين السوريين السلميين ضد الديكتاتورية والتوحش والإجرام.

وبقدر ما للجائزة من معنى، وبقدر ما هي انتصار للحق والعدالة الإنسانية، فإن مانحيها ينكؤون الجرح، ويعيدون رسم المشهد السوري بطريقة كاريكاتورية، فيها من الحذف والتشويه والإضافة والمبالغة والتناقض أضعاف ما يتطلبه فن الكاريكاتور، حيث تواجهنا حقيقة لا تزال ماكثة فوق صدورنا، وهي استمرار حكم عصابة الأسد لسورية، -ولو من خلال سلطة الاحتلالين الروسي والإيراني- واستمرار الاتحاد الأوروبي بالاعتراف بنظام الأسد على المستوى الرسمي، رغم معرفته الدقيقة بمدى فقدان ذلك النظام للشرعية وضرورة رحيله، بل ومحاكمته.

ولكن الأكثر كاريكاتورية من ذلك كله، هو طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مع ضحايا الديكتاتورية وضحايا منتهكي حقوق الإنسان، وهم اللاجئون السوريون الموجودون على أراضي بلدان الاتحاد، والنظر إليهم على أنهم عبء كبير لا بد من التخلص منه ولو كان عبر إعادتهم إلى سورية، أي إلى أنياب ذات الفك المفترس الذي نجح فرزات في فضحه وتعريته، وهو ذات الديكتاتور الذي ينوي الاتحاد الأوروبي إعادة السوريين إليه.
الاتحاد الأوروبي يقدر إذن علي فرزات ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على المستوى الوطني والإنساني، ويقدر الأدلة القاطعة التي قدمها ضد السفاح من خلال عمله الفني، وهي أدلة لا تقبل التشكيك.

ومن حيث يكافئ الاتحاد الأوروبي الشاهد على مصداقيته ودقة أدلته، فهو بالمقابل يتقبل الجاني ولا يعاقبه ولا يسعى إلى ذلك، ولا يتخذ منه حتى موقفاً أخلاقياً، بل ويسعى إلى إعادته إلى حظيرة السياسة الدولية وكأنه غير مرتكب، وهنا يضعنا في مواجهة السؤال:
كيف يوفق الاتحاد الأوروبي بين احترامه لحقوق الإنسان والمدافعين عنها، ومنتهكي تلك الحقوق عبر السكوت عن إجرامهم وانتهاكاتهم، والتقصير في ملاحقتهم، بل والمساهمة في إعادة تطبيع وجودهم، طاوياً صفحة ثماني سنوات من جرائم الإبادة اليومية، والقتل تحت التعذيب في المعتقلات، وجرائم التهجير القسري والتغيير الديموغرافي، وغيرها من الممارسات الوحشية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؟

لو كانت السياسة الدولية متحررة ولو قليلاً من المصالح القذرة التي تحكم علاقاتها لكانت شهادة على فرزات وحدها كافية ليحسم المجتمع الدولي أمره تجاه إسقاط الأسد مهما كان الثمن وأيا كانت التكلفة، على الأقل، انتصاراً لمبادئ أوروبا التي لا تزال تؤمن بحقوق الإنسان بدليل الجائزة التي منحتها لعلي فرزات..

لو كانت السياسة الدولية متحررة ولو قليلاً من المصالح القذرة التي تحكم علاقاتها لكانت شهادة على فرزات وحدها كافية ليحسم المجتمع الدولي أمره تجاه إسقاط الأسد مهما كان الثمن وأيا كانت التكلفة، على الأقل، انتصاراً لمبادئ أوروبا التي لا تزال تؤمن بحقوق الإنسان بدليل الجائزة التي منحتها لعلي فرزات..

ولو كانت الحقيقة هي ما يشغل بال الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي برمته، لكانت شهادة علي فرزات وحدها كافية لاستكمال كل الأدلة حول جريمة العصر التي تتم في سورية، ففرزات واحد من الوجوه المدنية السلمية، والذي لا يمكن أن تطاله شبهة الطائفية، ولا يمكن اتهامه بالتحيز الديني أو العنصري أو الحزبي، فالرجل قامة وطنية متكاملة، فضلاً عن كونه قامة فنية لا خلاف على استثنائيتها وفرادتها والمستوى الراقي في خطابها ورسالتها.

وإذ يعترف الاتحاد الأوروبي بقيمة علي فرزات في مجال حقوق الإنسان وحرية الفكر، فذلك بحد ذاته هو نزع للشرعية عن النظام الذي قام باختطافه وتكسير أصابعه وحاول قتله، ولكن الاتحاد الأوروبي لم يقم حتى الآن بمبادرة حقيقية ينتصر من خلالها لحقوق الإنسان وحرية التعبير في سورية، ورغم أن منح تلك الجائزة هو بحد ذاته انتصار للعدالة، إلا أنه انتصار معنوي لا يغير مجرى رياح الجريمة التي تهب من كل الاتجاهات في الداخل السوري، ولا يمتلك القدرة على تغيير المعطيات على الأرض، أو حتى التخفيف من وقع مختلف أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان التي لم تتوقف في سورية، بل والتي من المرشح أن ترتفع وتيرتها من خلال الخطاب الانتقامي الذي يتوعد به النظام كل من لم يقف معه.

إن تكريم علي فرزات بمنحه جائزة البرلمان الأوربي، -على أهميتها-، يبقى أقل بكثير مما يستحقه فرزات على مستوى القضية السورية، حيث لم يسعَ فرزات من خلال أعماله إلى حصد جوائز، قدر سعيه إلى لفت نظر العالم إلى حجم الإجرام الذي يحدث في سورية وكمية الانتهاكات التي يرتكبها نظام الأسد منذ ثماني سنوات ودفعه لاتخاذ قرار حقيقي وفاعل ينتصر لحقوق الإنسان، إلى فعل من شأنه أن يساعد فرزات وملايين السوريين في العودة إلى وطنهم متحرراً من حكم العصابة، وهي الجائزة الأهم التي انتظرها فرزات وانتظرها وينتظرها معه معظم السوريين.

يعلم الاتحاد الأوروبي بالتأكيد أن فرزات مصنف كإرهابي لدى نظام الأسد، واستمرار اعتراف أوروبا بنظام الأسد على المستوى الرسمي يعني الموافقة على ذلك التصنيف، وللخلاص من تلك الازدواجية التي تضعف الموقف الأوروبي وتجعله موضع سخرية، لا بد من تبني موقف موحد، أخلاقي وسياسي، وإذا كان الساسة عاجزين في هذه المرحلة عن اتخاذ قرار عملي وحازم، فعليهم على الأقل الاحتفاظ بالقرار الأخلاقي والمساهمة في إعادة تدوير فكرة محاسبة الأسد وليس تدوير الأسد.

لا منة ولا فضل للاتحاد الأوروبي أو أي اتحاد آخر على منح جائزة للفنان علي فرزات، فكل عمل فني بتوقيع فرزات ينال جائزته بشكل مباشر من كل متابع ومهتم على امتداد العالم، وليعلم الاتحاد الأوروبي أن مجرد السكوت عن الأسد هو أكبر جائزة يقدمها رواد حقوق الإنسان وحرية التعبير لقاتل موغل في دماء شعب بأكمله، وأن تقديم الجوائز لمبدع حر، يتناقض تماماً مع تقديم الجوائز لسفاح مرتكب، ولعل على فرزات نفسه لن يفوت الفرصة لفضح موقف الاتحاد الأوروبي المزدوج..