fbpx

البغدادي ينقذ الأسد من جديد!


*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام 1991، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه.

لا شك أن الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية تستدعي استنفار الجهود الحقوقية والأجهزة القضائية في العالم بأسره للمساعدة على جر قائد ذلك التنظيم وأتباعه أيضاً إلى المحاكم الدولية.
ذلك ما يشغل بال أوروبا التي تحرك اليوم هذا الموضوع بمناسبة قرب تلاشي التنظيم الإرهابي، بصرف النظر عن بعض خلاياه المتبقية هنا وهناك، وهو أمر يدل على حرص الغرب على العدالة الدولية وعدم سكوته عن الجرائم ضد الإنسانية.
غير أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال، تجاهل التنظيمات الإرهابية الأخرى وعلى رأسها تنظيم الدولة البراميلية، وهو ما يجرنا إلى ما هو أبعد من حدود الصدمة، فكيف يستشيط الغرب غضباً ضد نوع معين من الجريمة، ويسكت ويتساهل، بل ربما يتسامح مع نوع آخر هو بالتأكيد أشد وأكبر من الجريمة التي يركز عليها ويلاحق مرتكبيها!
فبالمقارنة مع عدد جرائم التنظيمين، وحجم الإجرام المرتكب ونوعيته ومدته، يبقى تنظيم الأسد حتى الآن في صدارة المشهد ويحتل المرتبة الأولى دون منازع، ولربما يحتاج تنظيم داعش سنوات طوالاً أخرى ليقترب من حجم الجرائم التي ارتكبها الأسد ونوعيتها.
قبل ظهور تنظيم داعش بحوالي سنتين، أجهز الأسد على ما يقارب ربع مليون سوري، وجميعهم كانوا من المدنيين الذين طالبوا بدولة ديمقراطية تعددية، وذلك قبل أن تمتد اليد الداعشية لأي مواطن سوري، وقبل أن يحظى الأسد بذريعة محاربة الإرهاب، أي أن ذريعة محاربة الإرهاب التي يمكن أن تشفع للقاتل في المحاكم الدولية، لا تصلح حجة هنا ولا يمكن اعتمادها كسبب يبطل محتوى الجريمة.
فضلاً عن ذلك، فإن أعداد المعتقلين حتى التاريخ نفسه وصلت إلى أكثر من مئتي ألف معتقل، بالإضافة إلى أن أولئك المعتقلين جميعاً كانوا من المدنيين الذين شاركوا في الثورة السلمية، سواء من خلال المظاهرات أو المساعدات الإنسانية، أو ممن تعاطفوا مع الثورة، أو حتى من أولئك الذين امتنعوا عن الوقوف مع النظام رغم عدم مشاركتهم في الثورة، ومعظم هؤلاء المعتقلين هم الآن بحكم الأموات.
وفي سجون الأسد، بلغ حجم الانتهاكات حداً لم يسبقه إليه ديكتاتور أو سفاح أو تنظيم إرهابي آخر، فقد تفنن جلادو الأسد بطرق التعذيب وأبدعوا في أشكال الموت التي اختاروها لضحاياهم، ولربما تكفي وثائق قيصر وحدها للتدليل على الفارق الشاسع بين إجرام التنظيمين من حيث الكم والكيفية.

وفي سجون الأسد، بلغ حجم الانتهاكات حداً لم يسبقه إليه ديكتاتور أو سفاح أو تنظيم إرهابي آخر، فقد تفنن جلادو الأسد بطرق التعذيب وأبدعوا في أشكال الموت التي اختاروها لضحاياهم، ولربما تكفي وثائق قيصر وحدها للتدليل على الفارق الشاسع بين إجرام التنظيمين من حيث الكم والكيفية.

وقبل ظهور داعش أيضا، وصل عدد المهجرين إلى الملايين وكان تنظيم الأسد وحلفاؤه وحدهم سبباً لتهجيرهم، ولا يمكن -حسب التسلسل الزمني للحدث- تحميل مسؤولية هؤلاء المهجرين لجهة أخرى غير تنظيم الأسد.
وإذا سلمنا بفرضية العداء بين التنظيمين، -وهو ما يتناقض مع كل الأحداث والوقائع والحقائق-، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يبقى إرهاباً هاوياً بالمقارنة مع الإرهاب المحترف الذي ارتكبه تنظيم الأسد، بخلاف إعلان داعش عن عملياته الإرهابية وطرق القتل التي اتبعها وتصويرها وبثها وتبنيها، في حين لجأ تنظيم الأسد لتصوير عملياته وبثها عن طريق أتباعه، ثم إنكارها رسمياً أو تحميلها للضحية ذاتها، أو لجهات إرهابية مفترضة قبل أن يدخل الإرهاب فعلياً إلى سورية.
ولو توقفنا مع البراميل المتفجرة وحدها كطريقة للقتل والتدمير، سنجد أن برميلاً واحداً يعادل ربما كل وحشية داعش وكل ارتكاباته منذ لحظة نشوئه إلى لحظة اختفائه المرتقبة، فإلقاء البراميل من الجو يشكل حالة إرهاب صريحة ومتعددة المستويات، حيث يمكننا الحديث هنا عن إرهاب ما قبل البرميل وأثناء إلقائه وما بعد لحظة سقوطه، بل يمكننا الحديث حتى عن مستويات الذعر التي يخلفها البرميل عند من نجا منه، حيث يدوم أثر هذا الإرهاب عند من شهدوا حوادث إسقاط البراميل لفترة طويلة، ويلتصق بذاكرتهم ربما إلى الأبد.
لن تكفي مجلدات ضخمة لتوثيق انتهاكات الأسد في الفترة التي سبقت وجود داعش وحدها سواء من حيث الكم أو الكيفية، ومن هنا فإن الحرص على محاكمة القتلة يفترض التركيز على من هو أكثر إجراماً إن كان ثمة أولويات في الملاحقة القضائية، رغم أن محاكمة كل المجرمين على اختلاف طرقهم ودوافعهم وأشكال جريمتهم، هو المطلب الأساسي والطريق الوحيدة لتحقيق العدالة، حيث لا أولويات في العدالة ولا تمييز بين جريمة وأخرى.
يبدو الغرب اليوم منشغلاً بتقديم السياسي على الإنساني، والمصلحة على الحق، وملف محاكمة مجرمي الحرب الذي تحركه أوروبا بنفسها هو امتحان حقيقي أسقط كل مقولات حقوق الإنسان التي لا زالت أوروبا تلوكها في ذات الوقت الذي تسقط حق ملايين الضحايا، وتنتصر لقاتلهم عبر عملية إعادة إنتاجه الدائرة اليوم على قدم وساق في دوائر صنع القرار الأوروبي، وما المطالبة بمحاكمة داعش دوناً عن الأسد إلا مثال صارخ لذلك.
سيجد الغرب ذريعته في تبرئة الأسد باعتباره شريكاً في محاربة الإرهاب، ربما تناسى الغرب أن الشراكة الحقيقية التي صنعها الأسد هي مع الإرهاب وليس مع محاربيه.
إن التسامح مع جرائم الأسد التي ارتكبت بعد ظهور داعش، قد يكون متسقاً مع نظرة الغرب للصراع الدائر في سورية، إلا أن أي نظرة موضوعية وعادلة لا يمكن أن تتغاضى عن الجرائم التي ارتكبت منذ بداية الثورة حتى ما قبل ظهور التنظيم المتشدد، في الحقيقة، تكفي محاكمة الأسد عن الشهور الأولى للثورة ليحصل على عشرات أحكام الإعدام..
لقد أنقذ البغدادي الأسد من السقوط في فترة شديدة الحرج، وها هو اليوم ينقذه من الملاحقة الدولية بل ويساهم مساهمة فاعلة في إعادة الاعتراف بشرعيته على مستوى العالم، فأية خدمة قدمها التنظيم الإرهابي لصناع الإرهاب الحقيقيين؟ وإلى متى سيستمر الغرب في خداع نفسه وخداعنا؟!

الكلمات الدليلية