الشعب الذي يدبك


خطيب بدلة أديب وكاتب سوري من مواليد مدينة معرتمصرين في محافظة إدلب عام 1952، له مجموعات قصصية وكتب مسلسلات تلفزيونية وإذاعية مختلفة، تمتاز أعماله الأدبية بالسخرية ويكتب أعماله الإذاعية والتلفزيونية بأسلوب كوميدي شعبي.
الشعب الذي يدبك
الشعب الذي يدبك

بإمكاني الآن أن أحكي عن الدبكة بشيء من الإسهاب، فأقول إن الدبكة، أساساً، تأتي تلبيةً لرغبة الجسد في التعبير عن الفرح.. والفرح يمكن تعريفه بأنه حالة لا إرادية تظهر حينما يتحقق للإنسان حلمٌ كان بعيدَ المنال، أو يفاجأ بمكسب مادي أو معنوي غير متوقع.

والدبكة نشاط اجتماعي، إذ نادراً ما يدبك الإنسان وحيداً، أو أمام زوجته في البيت، أو في الزنزانة المنفردة. لدينا مثل شعبي عامي يقول إن “الطبل لا يمكن أن يُقْرَع تحت الحصير”، بل يحتاج إلى ساحة كبيرة، ورجال يرتدون اللباس العربي التقليدي، ونساء منتشرات على الأسطحة.

وجودُ النساء بحد ذاته يرفع من حماس الدَبِّيكة وانسجامهم مع الإيقاع والنغم، ويَدفع بالرجل الدَبَّيك الجميل، الممتلئ بعنفوان الشباب، المتمرس بفنون الدبكة، الذي يُعْرَف باسم (راعي الأول)، لأن يتقدم إلى رأس الدبكة، ويرفع منديله المجدول في الهواء، ويبدأ بتلعيبه، ويقوم بجسده المطواع، ويقعد، ويتلوى، ويكون له في أغاريد النساء وزغاريدهن الحصة الأكبر.

خلال سني شبابي كنتُ من المولعين بحضور الأعراس، وقلما اعتذرتُ عن حضور عرس أدعى لحضوره، وقد لاحظتُ، بل لَعَلّي استنتجتُ في وقت لاحق، أن الأعراس الرجالية البحتة، أي التي لا تحضرها النساء على الأسطحة، يكون حماسُ الدَبِّيكة فيها أقل، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى المطرب والفرقة الموسيقية.

فترى الجميع يتصرفون كما لو أنهم يقدمون للناس الفرحانين تمثيلية ذات سيناريو تقليدي، حتى إن الحاضرين في أحد الأعراس أرادوا أن يخلقوا جواً من المرح يخفف من وطء غياب العنصر النسائي عن المكان، وبعد وصلتين من الرقص العربي، توقف المطرب عن الغناء، لكي يحصل على استراحة يشرب خلالها الماء المُحَلَّى بالسكَّر الذي يجلو الصوتَ ويجوهره.

وفي لحظة ما، دعا عازفُ الأورج ابنَ بلدنا المجنون الملقب “فَرْجُونة” إلى المنصة، ليقدم للساهرين وصلة قصيرة، فلبى “فَرْجُونة” الدعوة، مشكوراً. قال له عازف الأورج إن الإخوة الحاضرين يريدون أن يسمعوا منك موال “يا راكب الحمرا كناطير”، تليها أغنية “على العَكيك اجتمعنا نحن وسودَ العيوني”.

وقال لعازف العود: امسكْ لُهْ. أي: اعزف له. فمسك له، و”فَرْجُونة”، بدوره، أمسك بالميكروفون وما عاد يتركه، متأثراً على ما يبدو بالقول القديم القائل بأن فلاناً (لا يغني إلا بدرهم ولا يسكت إلا بدينار)، فهبَّ الشبان لإغناء حالة المرح التي نشأت عن الأداء الناشز لـ فرجونة ومنظره المضحك، وراحوا يدبكون، و”فَرْجُونة” استمرأ اللعبة، وصار يصيح الموال وراء الموال، ويطلع من أغنية ليدخل في غيرها، وهذا ما جعل أصحاب العرس يتململون، إذ تحولت حفلة العرس إلى “مسخرة” حقيقية، فتقدموا بالرجاء للفرقة الموسيقية لإيقاف “فَرْجُونة” عن الغناء، ففعلوا، ولكن “فَرْجُونة”، مثل إبليس، أبى واستكبر، ورفض السكوت.

حمل أحدُهم كأس ماء نصفاناً ورشقه عليه، ظاناً أن الماء الذي سيتعشق بعينيه ومنخاره وأذنيه يمكن أن يضرب “دوزانه” الفني ويوقفه، ولكنه مسح الماء عن وجهه وتابع الغناء.. وكان، في تلك الهنيهة، قد وصل إلى أغنية (الأراصيَّا منين منين)، فجاءه أحد الشبان وهو يحمل في يده زجاجة ماء، وبدأ يفرغها على رأسه ويقول له: هاي أراصيَّا أصلية.. فشكره “فَرْجُونة” بكل احترام وتابع الغناء.

وهنا أصبح الشغل الشاغل للحاضرين هو سكب الماء على رأس “فَرْجُونة” الذي لم يكن ليكترث لهذا التشويش الإمبريالي على فنه الرفيع، دواليك حتى اهتدى أحدُهم إلى فكرة رهيبة، إذ صعد إلى بناية قيد الإنشاء مجاورة لساحة العرس، فيها نربيش متصل بصنبور ماء، فتحه وسلط الماء المنهمر على رأسه.. وبقي يسكب عليه الماء حتى سكت.

روى الموسيقار اللبناني الراحل زكي ناصيف، في إحدى المقابلات التلفزيونية، حكاية نشوء الدبكة، وهي أنها كانت تستخدم لِرَصّ أسطحة المنازل التي تُشاد في الأرياف بالحجارة، فكان الناس يتكاتفون في صف واحد، ويرفعون أرجلهم في الهواء ويخبطونها على السطح في لحظة واحدة، مما يجعل قوتها كبيرة، وكافية لعملية الكبس والرص للسطح.

وأما نظام حافظ الأسد الديكتاتوري، فجعل الدبكة نشاطاً سياسياً رئيسياً، إذ لم يسبق له أن أقام احتفالاً في ذكرى انقلاب الحركة التصحيحية، أو ميلاد الحزب، أو انقلاب الـ 1963، من دون دبكة، والمهرجانات الخطابية التي كانت تُقام في أماكن مغلقة، كانت حلقات الدبكة تعقد خارج الصالة قبل وصول الأسد، وحتى أعضاء مجلس الشعب، من كثرة ما دبكوا أمام المجلس، وصفقوا للرئيس أثناء إلقائه الخطابات، أصبح مجلسهم يُعْرَف باسم “مجلس التصفيق والدبكة”.

التطور الجديد الذي دفعني لكتابة هذا الحديث، وهو، في الحقيقة، تطور مهم جداً، يتلخص في أن نظام الأسد أصبح يدبك في لحظات الهزيمة، مثلما حصل في صبيحة اليوم التالي للضربة الأميركية البريطانية الفرنسية التي أدت إلى تدمير الأبنية الخاصة بإنتاج غاز السارين التي يمتلكها النظام المجرم. وبناء عليه أصبح الشعب السوري يأمل في أن يؤدي هذا النظامُ دبكته الأخيرة، عشية سقوطه، ورحيله عن هذه البلاد.

الكلمات الدليلية