fbpx

المعري يعود.. ما أشبه النحات بالشاعر الفيلسوف


فاتن حمودي اعلامية وشاعرة..معدة برامج تلفزيون..

من أعاد من؟ هل أعاد النحات عاصم الباشا المعري إلى واجهة الحضور، أم أبو العلاء المعري أضاء للنحات السوري العالمي الطريق بعقله، ليعود بعد سنوات من الانقطاع، أقوى بكثير مما كان عليه؟

أبو العلاء المعري الشاعر الفيلسوف الذي أعلن مركزية العقل، “كذّب الظن لا إمام سوى العقل”، فاتحاً المجال أمام أسئلة الوجود والحرية، والتي تصب في جوهر الإنسان، الذي لا يخلو من شر، ولا شيء سوى العقل للتغلب على كلّ الشرور، “فشاور العقل واترك غيره هدراً، فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي”.

ولأن مشروع تمثال المعري عملٌ جماعي من أهم أعمال الثورة، فقد ترافق مع الأمل، وكتابة اليوميات التي كان يبثها النحات عاصم الباشا على صفحته في موقع فيسبوك، ولأن التماثيل والمنحوتات الفنية تعتبر رمزاً مكثفاً من رموز الحضارات القديمة أو الحديثة، يؤكد الباشا على أمنية له: “لو كانت لديّ الطاقة والزمن والإمكانية لأنجزت لكل من اهتدى بالعقل في تاريخنا منحوتة تذكّر به، ابن رشد مثالاً، وسبق أن صنعتها لابن خلدون وضاعت، ولغالبية المتصوّفين الذين لا يختلفون في الجوهر مع الملاحدة، كلا الفريقين يحلّقان فوق الدوغمائيات”.

يقول الباشا عن عودته للنحت: “صحيح أنني انقطعت عن النحت ثلاث سنوات ونيف، ولكن ملامسة الصلصال أفهمتني أنني كنت دومًا معه، الصداقة الحقيقية تدوم”.

الفنان فارس الحلو والنحات عاصم الباشا
الفنان فارس الحلو والنحات عاصم الباشا

عاد عاصم الباشا بهذا المشروع الوطني، ويقف وراءه الفنان الحر فارس الحلو، الذي رأيناه يهتف في سوريا للحرية، وينتقل من دمشق إلى دوما، ليشارك في عرس الثورة السورية، وهو أحد الناجين من الموت ومن الاعتقال، أراد أن يترجم فعل الحرية إلى واقع ملموس، من خلال منظمة “ناجون”، التي تقف وراء أحد أهم ملفات الثورة، وهو ملف المعتقلين.

واليوم تساهم “ناجون”، في عودة الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري، وقد تطوّع لهذا العمل النحات عاصم الباشا قائلاً: “صار هذا العمل التطوّعي ممكنًا بفضل من تنسيق منظمة “ناجون”، ولعلّه أول عمل جماعي واسع في ثورتنا، وقد ساعدني في العمل وخفف عني مار وجلال الطويل وآخرين”.

وعلى طرف آخر يؤكد فارس الحلو بأن العمل: “سيُعرض في عاصمة أو مدينة أوروبية ذات كثافة سكانية عالية مثل باريس أو غيرها، ويبقى في عهدة المدينة المضيفة إلى أن يتحقق السلم والأمان في بلد المعري، ويشير إلى أن التمثال يجسد من موقعه المعروض صرخة دائمة لا تنتهي ضد الاستبداد، حاكموا مجرمي الحرب في سوريا لأعود إلى وطني”.

ويشير إلى أن 350 سوريًا ولبنانياً تبرعوا لإنجاز هذا العمل، ولا يد أجنبية في المشروع لتغطية التكاليف”.

وحول معنى أن يوثق كل ما يقوم به خطوة فخطوة، وعيون العدسات حوله قال الباشا: “ما اعتدت العمل والعدسات من حولي، أحاول تجاهلها، لكنني سعيد بمن يضع يده في الطين ويساعدني”.

الفنان جلال الطويل والنحات عاصم الباشا
الفنان جلال الطويل والنحات عاصم الباشا

وتابع الباشا”: “بالنسبة للتصوير فثمة مشروعين سينمائيين، الأول للثنائي (علي الأتاسي وطلال خوري) وآخر من فرنسا (أحمد باشا، وعارف الشيخ يوسف، وفرنسيان)، الوثائقيان شرعا منذ زمن، قبل البدء بتنفيذ منحوتة المعرّي، كما وثّق كلّ من حنّا ورد وجلال الطويل بالصورة”.

وأضاف، “ليست هذه المرة الأولى التي أتصدى بها للمعري، فقد فعلت هذا سنة 1980، ولا أحاول تكرار الرؤية، في الأولى انطبع تمرّدي الشاب عليه، والآن يهيمن شيء شبيه بالحكمة، لأنني أعتبره رمزًا دعا إلى العقل”.

وعن أهمية العودة للفن بهذه الروح العالية، وضرورة نصب تماثيل للشعراء في ساحات المدن؛ أكد أنه يعمل ليشارك في مشروع جماعي يمثّل الثورة، قائلاً: “عملي تبرّع، المعرّي يجب أن يكون رمزًا لنا، عسانا نتعقّل ونزيح الغيبيات”.

كان عاصم يلتقط الملاحظات العفوية، ويقول في يومياته على الفيسبوك:” جارنا الكريم الإسباني “فرناندو”، الذي أعارنا “هنغارًا” لنعمل به ووضع آلياته في خدمتنا بلا مقابل، عرج علينا بالأمس مع صديق له يعمل سائق تكسي، قال هذا عندما رأى بحثنا عن أبي العلاء “إنه يشبه ليوناردو دا فينشي”.. أسعدني لأنه شعر على الأقلّ أنه قديم، قدم العقل الذي نبّه إلى ضرورة اعتماده”.

وقال الباشا: “يفترض أن يكون ارتفاع رأس المعرّي ثلاثة أمتار، ولكن قسته اليوم بالتقريب 320 سم”.

الطرفة، ما علقه أحد المتابعين للعمل بعدسته: “لم يسبق لي أن رأيت رأسًا بهذا الحجم”، أجبته “ولا أنا”.

نعم لقد أحدث قطع رأس المعري في بداية عام 2013- التمثال الذي صنعه النحات السوري فتحي محمد، عام 1940، أحدث هزة في الضمير السوري، وفتح العيون على من ركبوا الثورة من الظلاميين، أعداء الفكر الحر، والفن وكل مظاهر الحضارة، ولا ننسى أن متحفه دُّمر في عام 2015 من قبل طيران النظام، وكان معلماً أثرياً يقصده السياح وعلماء الآثار من جميع أنحاء العالم.

هذا المتحف الذي افتتحه معري القرن العشرين طه حسين، الذي اقتدى بفكر وعقلانية أبو العلاء المعري، وهو صاحب كتاب “تجديد ذكرى أبي العلاء”.
يوم قطع رأس المعري علّق ادونيس على إحدى الأقنية الفضائية: “كنا في مشكلة النظام واليوم أصبحنا أمام مشكلة الثورة”، واستند في كلامه إلى قطع رأس تمثال أبي العلاء المعري، حيث قال: “كنت أتمنى من المعارضة والمثقفين المرتبطين بها إصدار بيان يدينون فيه تحطيم الرموز، إنني أرى في تحطيم رأس تمثال أبي العلاء قطعا لرأس الفكر والحرية والديمقراطية”.

تجاهل أدونيس بأن المثقفين الذين انتموا للثورة يدركون تماما معنى أبو العلاء المعري، هؤلاء لم ينظروا إلى الثورة على أنها مشكلة، بل على أنها الحل الوحيد لاقتلاع نظام الإبادة، وإطلاق العقل، وقد أدرك هؤلاء أن ثورتنا قد حوصرت بثورة مضادة من أعداء الثورات.

وكما قال يوما الروائي الياس خوري: “فأن ندافع عن الحرية والحق والعدالة، فهذه واجبات أخلاقية ووجودية، إن هيمنة اللغة السياسية اليوم، هي فض اللغة من المعنى”.

وأشار خوري إلى أن : “الثورة المضادة نجحت بابتذال المعاني، فبعد أن تمّ خنق أصوات المنادين بالحرية عبر آلات قمع رهيبة، لم يعد هناك من حاجة إلى لغة للتخاطب، فالاستبداد يتكلم بالدم لأنها اللغة الوحيدة التي يتقنها، والأصوليون يتكلمون لغة فقدت دلالاتها من شدة تشابهها ولم يبق منها سوى القتل والرعب، وأما النفط فلا لغة له”.

لا شك فإن الجسم المركزي للثقافة السورية، أثبت أنه يمثل الضمير السوري، رغم هشاشته، وبدلا من أن يردد الباشا ما قاله المعري “هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد”، يقول الباشا”: “سيسعد أبي في قبره.. كان يحبّ المعرّي، وربما يقال يومًا: “يبرودي أهدى المعرّة وسورية حلمه، وعسى يتواعد العشّاق عنده”.

إنه أنت أنت، وما أشبه النحات بالشاعر الفيلسوف.