بيان درعا وأقراص الكبة المشوية


خطيب بدلة أديب وكاتب سوري من مواليد مدينة معرتمصرين في محافظة إدلب عام 1952، له مجموعات قصصية وكتب مسلسلات تلفزيونية وإذاعية مختلفة، تمتاز أعماله الأدبية بالسخرية ويكتب أعماله الإذاعية والتلفزيونية بأسلوب كوميدي شعبي.
نبأ - درعا
نبأ - درعا

زعل مني صديقي “عبد الله” لأنني أتيتُ على ذكر (الكبة المشوية) في سياق الحديث عن موضوع بالغ الأهمية هو التضامن مع أهلنا في درعا.

قال لي إنه ومجموعة من الأصدقاء المعارضين مكثوا ثلاثة أيام بلياليها وهم يشتغلون بدأب حتى تمكنوا من صياغة بيان مُحْكَم، لا يخر الماء، أدانوا فيه النظام السوري، وروسيا، وإيران، وحزب الله، وحَمَّلوا الدول العربية، والولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوربية، المسؤوليةَ التاريخية لتخاذلهم عن نصرة قضية الشعب السوري بشكل عام، وسكوتهم عن الهجوم الهمجي الذي يشنه النظام والروس والإيرانيون على درعا بشكل خاص..

وقال: وتأتي أنت، يا صديقنا الغالي، لترفض التوقيع معنا على البيان، ثم تسخر منا متحدثاً عن الكبة المشوية؟ أنا، بصراحة، لم أعرفك عبثياً ومتخاذلاً إلى هذه الدرجة.

قلت له: لو كنتَ تعرف ما قصدتُه حينما جئتُ على ذكر الكبة المشوية لتفهمتَ موقفي على نحو جيد، ولأبعدتَ اتهاماتك عني، لقد حكيتُم في مسودة البيان عن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى انفجار الثورة السورية، وهي استبداد النظام المافيوي، ونهب خيرات البلد، والاعتقالات، والتعذيب، ثم دخلتم في التفاصيل، فسردتم حكاية الكتابات التي سجلها أطفالُ درعا على الحيطان، وكيف انبرى المجرم عاطف نجيب لاعتقالهم وإذلال أهاليهم، وكيف امتدت الثورة السلمية من درعا لتشمل مختلف أصقاع البلاد، وكيف وسع النظام نطاق إجرامه، وشرع يستخدم الأسلحة الخفيفة، ثم المتوسطة، فالمدفعية الثقيلة، والطيران الحربي، والبراميل المتفجرة، والكيماوي، ولم تنسوا موقف أميركا الذي اتصف بالشد والمط والتسويف، والفيتو الروسي الصيني المتكرر في مجلس الأمن، وتدخل الروس العسكري المباشر، وعرقلتهم مسار جنيف واستبداله بأستانا ثم سوتشي..

قال عبد الله: رويدك صديقي، أنت تريد أن تقرأ لي البيان، كأنك لا تعرف أنني أنا الذي كتبتُه؟
قلت: أعرف أنك كاتبه، ولكن، لعلمك، لا أنا ولا غيري ولا أحد في العالم لديه استعداد أن يقرأ بياناً مؤلفاً من ثماني صفحات ونصف حتى آخره، وأنا لم أكن لأقرأه لو لم يكن مطلوباً مني التوقيعُ عليه، والحقيقة أنا أستغرب أن تمشوا أنتم المثقفين المسيسين الأذكياء على منوال حكاية الكبة المشوية خطوة بخطوة، ودقيقة بدقيقة..

قال صديقي: بصراحة؟ أرى أننا أخطأنا في هذا، كان الأفضل أن نختصره إلى صفحة أو صفحتين قبل أن ندعو الآخرين للتوقيع عليه، ثم ننشره على مواقع التواصل الاجتماعي. (وضحك وقال) الآن قل لي، ما حكاية الكبة المشوية؟

قلت: لي صديق كان مديراً لإحدى الشركات الاقتصادية، وهو رجل شريف وآدمي، وكانت له عَمّة تعتمد عليه في حل معظم مشاكلها، وذات يوم اتصلت به وهو في اجتماع مهم مع وفد من الوزارة التي تتبع شركته لها، وقالت له بصوت باكٍ: يا ابن أخي أنا ما لي غيرك، عندي مشكلة تتطلب حضورك الفوري، وهي أن زوجي، بعدما ذقت الأمرين في صناعة الكبة المشوية، حملها وألقاها في برميل القمامة..

أمام هذا الجو المشحون بالعاطفة (والميلودراما) لم يكن لدى صديقي خيار سوى أن يعتذر من الضيوف ويخرج من الشركة، ثم ساق سيارته بسرعة حتى وصل بيت عمته. دخل. وجد عمته جالسة مع زوجها، وكل منهما ينفخ على الآخر مثل الحردون. قال لها: خير عمتي؟ ليش زوجك المحترم ألقى الكبة في الزبالة؟

قالت له: القصة وما فيها، يا عين عمتك، أنه زوجي، أول البارحة في الليل، قال لي أنا مشتهي ع الكبة، قلت له أبشر، هادا أهون ما طلبت.. الخلاصة نمنا، فقنا البارحة الصبح، توضيت وصليت اللهم صل ع النبي، ولبست ثيابي، ورحت على سوق الخانات، اشتريت برغل. أنت بتعرف البرغل نوعين، البياضي اللي بيسموه برغل الطبيخ، والسوادي اللي بيسموه برغل الكبة، وأهل إدلب بيسموه صريصرة.

بلا طول سيرة اشتريت تنين كيلو صريصرة، قلت لحالي باخد كفايتي منه وبشيل الباقي لبعدين، ومن هنيك رحت لعند القصاب أبو إبراهيم سفلو، قلت له إلك ولا للديب؟ قال لي: خسا الديب.

قلت له بدي لحمة مفرومة دهنتها قليلة، لأن جوزي متلما بتعرف معه كوليسترول، والدكتور قايل له إنه هادا الكوليسترول بيسد العروق، وبيخلي الزلمة يتيسر، أبو إبراهيم قال لي تكرمي. عطاني طلبي. وجبت، بطريقي، صنوبر ولوز وبصل، منشان الحَشوة، بعدين رحت ع الساحة التحتانية، هنيك في قصاب من بيت غنوم عنده لحم عجل، ومعلومك يا ابن أخوي لحم العجل للكبة مثل التب للتين، بيدبق، وبيساعد ع الرق، وجبت العدة وجيت ع البيت..

أنا بالعادة لما بساوي كبب بصيح لجاراتي بيساعدوني بالرق والحشي والتقوير، ناديت لهن، من عدا جارتنا أم قدور، ما قلتلا تجي، بتعرف ليش؟ لأن هاي أم قدور رعنة، وبتدير البرغل على ماكينة المولينكس، أنا بمرسها في القصعة، بتطلع طيبة كتير، من شي سنة مر بياع أرمنازي عم يبيع قصعات من الزقاق، اشتريت منه واحدة..

ضحك صديقي عبد الله وقال: بالله عليك تقلي، هاد صاحبك ما اندوخ؟
قلت له: نعم. اندوخ، وعرك عينيه وقال لعمته.. هلق أحسن من كل هالشرح جيبي لي قرصين كبة، الله وكيلك اشتهيت عليها، وهي كمان اندوخت.

قالت له: أي مو على عيني؟ يا الله راح أسخن لك قرصين، وبجبلك معهن شوية عيران، وراحت ع المطبخ. هون زوج العمة ضحك، وقال له: أما أنكم عائلة مجانين يا أستاذ، كيف عمتك بدها تسخن لك قرصين كبة؟ مو أنا رميت الكبة في الزبالة؟!

الكلمات الدليلية