“عشرة أسئلة حول سورية لم يتجرأ الغرب على طرحها “الحلقة الثانية


*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام 1991، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه.

توقفنا في الحلقة السابقة من هذا البحث عند مصطلح الحرب الأهلية الذي اعتمدته صحيفة NRC في تغطيتها للحدث السوري وبحثها المطول حوله، والذي اشترك في كتابته مجموعة من الإعلاميين الهولنديين. لو كان ما ترتكبه الصحيفة بحق المشهد السوري هو مجرد متناقضات أو أخطاء مهنية، أو سوء قراءة للحدث، لما تطلب الأمر أكثر من مراجعة سريعة لمحتوى ما تنشره، غير أن كل المؤشرات تدل على أن الخلاصات التي تريد الوصول إليها مقصودة وعن سابق إصرار وترصد، ولربما ترقى إلى المشاركة في جرائم الحرب من خلال شهادات الزور التي تقدمها تبرعاً أو عن ارتباط وتنسيق..

الحلقة الثانية
الإعلام الغربي شاهد زور وشريك بجرائم الحرب!
هي حرب أهلية إذن، وليست ثورة شعبية عارمة ضد نظام فاشستي مجرم!


إذا كانت الميديا الغربية تهدف إلى البحث عن الحقائق بشكل موضوعي، فكيف يمكن أن تعبر على أسباب هذه “الحرب الأهلية” -إن اتفقنا على هذا التوصيف وفسرناه بحسن نية-؟ لماذا لم يتوقف البحث المنشور في المجلة الهولندية عند قضية التوريث والأبدية التي فرضها حكم آل الأسد على السوريين كخيار وحيد، وهي نقطة البحث الأولى والمركزية لأي باحث يريد استقصاء الحدث السوري والوصول إلى نتائج موضوعية.

إن مصطلح الحرب الأهلية الذي استخدمته الصحيفة المذكورة لطمس حقيقة الحدث السوري، لا يهدف إلى مجرد الهروب من الاستحقاقات وإعطاء المجتمع الدولي المبرر الكامل للتخلي عن واجبه في حماية المدنيين في سوريا، فالأخطر هو أن مصطلح الحرب الأهلية يعني مباشرة تبرئة الأسد وعصابته واعتبارهم أحد الأطراف، وهو طرف مستهدف أيضاً من قبل الآخرين بقدر ما يستهدف الآخرين، ومن حقه بالتالي الدفاع عن نفسه، وهكذا تتحول كل الجرائم إلى حالات متبادلة يمكن أن تتم إدانتها بالتساوي، فلا تقع المسؤولية على طرف واحد، بل وتضيع الحقائق الأصلية ويتم استبدالها بحقائق أخرى تحمي المجرم الأصلي وتمنع ملاحقته قضائياً حتى بعد انتهاء الحرب.

كما أن فكرة الأطراف في الحرب الأهلية لا تعني فقط أن طرفاً ما يدافع عن نفسه، بل أيضاً عن المجموعة التي تنتمي إليه، سواء كانت مجموعة عرقية أو دينية، بل إن مسؤولية حماية تلك المجموعة تقع على عاتق قيادة هذا الطرف أو ذاك، وهذا كله لا ينطبق على نظام بشار الأسد الذي لم يفرق بين الأديان والأعراق والملل والطوائف، ولم يدافع عن أي تركيبة مجتمعية من السوريين، فكل من يعلن رفضه له ولبقائه بالقوة رئيساً لسورية هو عدو يتوجب قتله أو اعتقاله أو تهجيره بلا نقاش.

إن الصورة الأكثر وضوحاً في المشهد السوري هي أن بشار الأسد يمثل الطرف المتمسك بالسلطة والمعني فقط بالدفاع عن الكرسي، وهذا الشكل من إدارة الصراع ينفي نفياً قاطعاً فكرة الحرب الأهلية، بل ينفي فكرة الحرب من أساسها، وينفي حتى فكرة الصراع على السلطة، فخصوم بشار الأسد هم الشعب ذاته، حيث لا أحزاب ولا تنظيمات، ولا حتى شخصيات قيادية تسعى لاستلام الحكم، باستثناء ما استجد لاحقاً من خصوم مفترضين ساهم الأسد وحلفاؤه بخلقهم وابتكارهم لإيجاد طرف يبرر فكرة الحرب وينفي صفة الثورة عن الحدث السوري.

لقد استهدف الأسد بتلك اللعبة الداخل السوري في محاولة لاستقطاب مؤيدين، وقد نجح في ذلك ليس بسبب تماسك روايته أو منطقيتها، بل بسبب الاستعداد الكامل عند الكثيرين للوقوف إلى جانب مصالحهم على حساب البلد ودماء أهله، فضلاً عن تجربة الثمانينيات المريرة التي قاس عليها الكثيرون أحداث 2011 واعتقدوا أن عين الشعب لن يكون بمقدورها مقاومة مخرز السلطة، فانحازوا إلى المخرز باعتباره الأقوى.

غير أن من المدهش حقاً أن تنطلي اللعبة -التي استهدفت الداخل والتي كانت مثار سخريته- على الخارج أيضاً، على المجتمع الغربي ومؤسساته الإعلامية، وهنا لا يمكن أن نتعامل مع المسألة بهذه البراءة، حيث لا يمكن أن يكون الإعلاميون الهولنديون على سبيل المثال بتلك السذاجة لتنطلي عليهم لعبة لا تصلح إلا لإثارة الضحك، مما يفتح الباب واسعاً أمام مجموعة من التساؤلات عن أسباب تبني رواية تخدم الأسد من قبل تلك المؤسسات الإعلامية، وفيما إذا استطاع الأسد شراءها، وهو الأمر الأكثر انسجاماً مع الوقائع، وربما هو التفسير الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم ذلك الموقف المنحاز بسبب غياب كل المبررات الأخرى، كما أن قصص الأموال التي صرفها الأسد على وكالات ومؤسسات إعلامية من أجل تلميع صورته وتغيير الحقائق بما يتواءم مع فكرة بقائه باتت معروفة ومؤكدة.

إن مساهمة الإعلام الغربي في ترويج مفهوم الحرب الأهلية على الحدث السوري وإدراج عصابة الأسد كطرف فيها يعد أكبر قضية تزييف علنية يشهدها التاريخ المعاصر، هي جريمة سياسية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، فالتغطية على الجريمة هي مشاركة فعلية في الجريمة، فما بالك بشهود الزور الذين لا يستهدفون تبرئة المجرم وحسب، بل وإدانة الضحية أيضاً، وتلك جريمة إنسانية من العيار الثقيل،

كما أنها أيضاً جريمة قضائية متكاملة الأركان، ولربما بات من واجب السوريين ملاحقة شهود الزور هؤلاء في المحاكم الدولية.

وتخديماً لذلك الهدف، يتحدث البحث عن تدفق قوات خارجية “شيعية” لمساعدة الأسد و”سنية” “متشددة” لمساعدة خصومه، فيقع في متناقضات كثيرة، ليس أولها القفز على كل الفترة التي ترك فيها الشعب السوري الثائر نهباً لرصاص الأسد الحي ودباباته وحواجزه المتوحشة التي أعطيت كامل الصلاحية لقتل أي مواطن ليس فقط لمجرد الاشتباه، بل أيضاً إن لم يرق شكله للوحوش البشرية القابعة على تلك الحواجز، أو إذا كان مزاج الضابط سيئاً.

وصف البحث القوات التي جاءت لمحاربة الأسد بالمتشددين، وبالطبع لا يمكن إنكار ذلك إن كان المقصود جبهة النصرة وما شابهها، ولكنه لم يطلق ذات التوصيف على القوات التي جاءت تدعم الأسد تحت شعارات طائفية بحتة لا تقل في تشددها عن شعارات النصرة وغيرها من الفصائل المتشددة، إن لم تكن أكثر تشدداً وتعصباً، ولو أنه وصف الفريقين بالتشدد لما ترك فرصة للتشكيك في نزاهته..

مستوى التناقض في الطرح سيرتفع تدريجياً في البحث، فعلى سبيل المثال يتحدث البحث عن الدعم العسكري الغربي والأمريكي للجيش السوري الحر، وأيضاً الدعم القطري والسعودي، واقعياً لم يحسم أي من الداعمين الوضع على الأرض، ولكن البحث وصف الدعم القطري والسعودي بأنه كان يصب الزيت على النار لعدم قدرة ذلك الدعم على الحسم، متجاهلاً ذات النتيجة التي خلفها الدعم الغربي، وكأن البحث نفسه هنا يعيد صب الزيت على النار من جديد أكثر مما يتوخى الرصد والمتابعة والتحليل، غير أن ما يتضمنه هذا البحث من نقاط خطيرة سيكتشفها القارئ تباعاً.

في الحلقة القادمة سنتوقف عند حزمة جديدة من المتناقضات التي تخترق النوايا الحقيقية والأهداف البعيدة للآلة الإعلامية في أوروبا.

يتبع..