عشرة أسئلة حول سورية لم يتجرأ الغرب على طرحها “الحلقة الرابعة”


*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام 1991، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه.

اللعب على وتر الموضوعية وسيلة باتت مفضوحة بعد الثورة السورية التي كشفت الكثير من المواقف المخادعة، وفي رصدنا للإعلام الهولندي من خلال البحث الذي قمنا بتفكيك شيفرته في الحلقات الثلاث السابقة، سيتضح اعتماد الميديا الأوروبية لتقنية “الموضوعية المنحازة”، وذلك من خلال اعتماد الحقائق، ومن ثم معالجتها بطريقة تضمن فهماً محدداً ورسالة باتجاه واحد، وهو أسلوب أخطر بكثير من الانحياز التقليدي..

 

الحلقة الرابعة
ثورة من أجل تطبيق الشريعة وداعش هو المعارضة الوحيدة للأسد!


يكاد البحث الهولندي يخلو تماماً من استخدام كلمة “الثورة” على امتداد صفحاته الواحدة والعشرين، وقد جعل كتابه من الحرب الأهلية مسمى حصرياً للثورة السورية، إلاّ أنهم اضطروا في الحواشي لذكر المظاهرات، حيث لم يكن بالإمكان -في إطار استعراض المشهد- تجاهل المظاهرات أو القفز عليها أو إنكارها أو تصديرها كمفردة من مفردات الحرب الأهلية، أو إطلاق اسم آخر عليها، ولهذا عبر البحث في بعض جوانبه على المظاهرات ولكنه سماها مظاهرات ضد “الحكومة”، والفرق شاسع بين الحكومة والنظام.


بشكل عجول وخجول ذكّر الكتّاب بسلمية تلك المظاهرات وبالنساء والرجال الذين حملوا أغصان الزيتون من أجل التعبير عن السلمية، ولكنه لم يربط ذلك بما حدث لحملة أغصان الزيتون ولا للزيتون ذاته، ولا حتى لأولئك الذين حملوا الورود ووزعوها على عناصر جيش الأسد الذين بادروهم بلغة القتل والتنكيل، كما حدث مع المخرج باسل شحادة على سبيل المثال، تجاهل البحث هذه الحادثة ومثيلاتها تماماً، فيما توسع في حوادث أقل أهمية ولكنها تتلاقى مع الهدف الأعلى للطرح.


كما ركز البحث بشكل خبيث على فكرة خروج المظاهرات من الأرياف، فلم يأت على ذكر مظاهرات دمشق، ولا على نوعية المشاركين فيها ولا سيما الفنانون والمثقفون والإعلاميون والحقوقيون والأطباء وغيرهم من نخب المجتمع المدني الذين هرب الكثيرون منهم إلى أوروبا وقصّوا حكاياتهم وحكاية الثورة بدقة للإعلام الأوروبي، وكانت معظم الروايات موثقة بشكل منهجي.


تجاهل البحث كل ذلك، ولا يمكن هنا التعامل ببراءة مع ذلك التجاهل الذي من شأنه أن يغير كثيراً في طريقة فهم الحدث السوري فيما لو تم الوقوف عنده ونقله بأمانة..


وبعد مرورهم السريع والعابر على المظاهرات، انتقل الباحثون مباشرة لطرح سؤال يضمن العودة بالقارئ إلى ذات المسار الذي يجهد البحث في الوصول إليه: كيف تحولت المظاهرات والاحتجاجات إلى حرب أهلية؟


في إطار إجابتهم عن هذا السؤال، ورط الباحثون أنفسهم بمأزق احترافي لا يمكن الخروج منه، حيث قالوا بالحرف:”في حماة وحمص وبعض المحافظات الأخرى اتخذ الجيش الحكومي إجراءات صارمة، ولكن ما حدث بالضبط بقي غير واضح بسبب غياب الصحافة الأجنبية عن المشهد حيث كانت غير مرحب بها”..


لم يتوقف الباحثون هنا عند أسباب غياب الصحافة الأجنبية وأن ذلك وحده يمكن أن يكون دليلاً قاطعاً على إبعاد الشهود المحايدين من قبل النظام ذاته من أجل الاستفراد بالشعب، كما لم يتوقفوا عند عشرات الصحفيين الأجانب الذين قتلوا على يد النظام، حتى لكأن أوروبا تسامحت في ضحاياها ولم تعد تطالب حتى بالتحقيق بمقتلهم..

 

النقطة الأهم هي أن غياب الصحافة الأجنبية عن مناطق سيطرة تنظيم داعش كان أيضاً ظاهرة ملموسة، ولكن البحث يتحدث عن التنظيم ويطلق حقائق يقينية دون أن يعيقه غياب الشهود المحايدين من الصحافة الأجنبية، أي أنه لا يطبق ذات المعيار في حكمه على حوادث متماثلة.


وفي الأثناء يعبر البحث على أشكال العنف التي مارسها بشار الأسد ضد المتظاهرين، ويصفه بأنه يعالج الاحتجاجات بذات طريقة أبيه، ولكن ما إن تميل الكفة لتجريم الأسد، حتى يعود الكتاب لتجريم الثورة بشكل غير مباشر، والعودة إلى ذات النقطة التي وضعها البحث كهدف أعلى، ففي حديثهم عن الانشقاقات العسكرية، يركز كتبة البحث على أن غالبية أولئك المنشقين كانوا من “السنة”، بما يوحي أن أولئك المنشقين اتخذوا قرار انشقاقهم بدوافع دينية، طائفية لا بدوافع وطنية، وهي النقطة التي يعود إليها البحث كلما تعمد إضاعة معالم القضية السورية، وكلما أحس أنه أدان الأسد.

 

كما أن معظم النخب السنية غادرت البلاد -كما يقول البحث- فلم يكن أمام العلويين إلا التمحور حول طائفتهم، وهنا يجد البحث الذريعة لاعتماد توصيف الحرب الأهلية متجاوزاً الأعداد الكبيرة من السنة التي انتصرت لمصالحها وبقيت مع الأسد سواء في الجيش أو في الحياة المدنية، ولو أن الباحثين تقصوا أعداد السنة الذين بقوا مع الأسد وأعداد العلويين الذين انضموا إلى الثورة -رغم قلتهم- لاصطدموا مباشرة بهزالة نظريتهم عن الحرب الأهلية.

 

وفي حديثهم عن تحول الصراع إلى صراع مسلح، يحدد كتاب البحث طرفي ذلك الصراع بأنهما: الجيش الحكومي في مقابل مجموعات مناوئة للأسد!! ويصر على تسمية جيش النظام بالجيش الحكومي، حتى بعد اعتمادهم مصطلح الحرب الأهلية، (ربما نسوا أن يصفوه بالجيش الباسل)، وهنا نقع على أكثر الأدلة التي تؤكد عدم حيادية البحث، فمنطق الحرب الأهلية يطيح بإمكانية الحديث عن حكومة شرعية، ولكن هذا الخلل المنهجي في التحليل لم يستوقف الباحثين الذين جرهم تركيزهم في تبرئة الأسد إلى الوقوع في متناقضات منهجية صارخة وعميقة.


وإلى جانب تلك الأطراف المناوئة للأسد تشكلت مجموعات “راديكالية”، رفعت راية الدولة الإسلامية، وهي دولة متأسسة على قوانين الشريعة الصارمة، ومن هنا ابتدأ تدفق المجاهدين من خارج سورية ليقاتلوا ضد الأسد..


لقد عبر البحث بشكل سريع وخاطف على المظاهرات السلمية وفكرة الثورة كما ذكرنا، فيما ركز على كل التفاصيل التي تتحدث عن تدفق الإرهابيين، مما جعله يطمس الهوية الأساسية للثورة الوطنية ويلخصها بفكرة الصراع بين الأسد والتيارات الإسلامية بما يوحي أن هدف الثورة لم يكن سورية جديدة وديمقراطية بل تطبيق الشريعة الإسلامية الصارمة، وأن محاربة حكم الأسد كانت بدوافع دينية بحتة ولأنه لا يطبق الشريعة، وليس لأنه حكم وراثي فاشي قمعي فاسد وقاتل، وكل ذلك يلاقي ردة فعل وحيدة لدى المتلقي الأوروبي الذي لا يمكن أن يتعاطف مع أي حركة إسلامية متطرفة بل يتعاطف مع خصمها أيا كان ذلك الخصم، ولا سيما حينما تم الخلط بين جرائم داعش والثوار، وهاهنا نجد تجاهلاً كاملاً للتسلسل الزمني للحدث، وهو من أخطر الوسائل التي من شأنها خلط الأوراق وإضاعة الحقائق، والمزج ما بين قوى الثورة وتنظيم داعش، وبالتالي أصبح كل معارضي الأسد داعشيين، وهنا يكمن الهدف الأعلى الذي يريد البحث الوصول إليه..

 

يتبع..