fbpx

عشرة أسئلة حول سورية لم يتجرأ الغرب على طرحها.. الحلقة الخامسة والأخيرة


*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام 1991، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه.
عشرة أسئلة حول سورية لم يتجرأ الغرب على طرحها.. الحلقة الخامسة والأخيرة
عشرة أسئلة حول سورية لم يتجرأ الغرب على طرحها.. الحلقة الخامسة والأخيرة

الأسئلة العشرة التي طرحها البحث الهولندي لم تكن تهدف إلى إيجاد جواب أو الوصول إلى حقائق، سيتضح ذلك جلياً بعد الانتهاء من قراءة البحث بشكل معمق، فالهاجس الأساسي الذي كان يأرق مجموعة الصحافيين الذين شاركوا في الكتابة هو البحث عن مخرج أخلاقي والعمل على إخلاء المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن كتف الغرب وتبرير تلكؤه وسكوته ولا مبالاته بل حتى تواطئه.

الحلقة الخامسة والأخيرة
الغرب.. جبهة نصرة الأسد

لقد طرح البحث سؤالاً فرعياً على هامش أسئلته العشرة، ولكن ذلك السؤال الفرعي هو ما جهد الصحفيون بالإجابة عنه ويمكن اعتباره جوهر الفكرة وأساسها: لماذا لم نتدخل؟

لقد كان من أهم الذرائع وأسهلها إطلاق تسمية الحرب الأهلية على الثورة السورية ومن ثم تفصيل كامل المعطيات ولي عنقها لإثبات أن ما حدث في سورية ليس ثورة شعبية ضد مستبد سفاح، لأنها لو كانت كذلك لما تأخر الغرب “المتحضر” المنتصر لحقوق الإنسان وللحرية ولقيم العدالة والمساواة عن نصرة طالبي الحرية.

لم يتردد صحفيو الغرب “الأحرار” عن طمس ملامح المحرقة والخلط بين الجلاد والضحية وتغيير كامل الحقائق التي وصلتهم موثقة بالصوت والصورة لتغطية موقفهم الأخلاقي، ولم يعرفوا ،ربما، أنهم يرتكبون جريمة أخلاقية أخرى أثناء محاولتهم البحث عن المبرر الأخلاقي.
إن من حق السوري اليوم أن يسأل الغرب وإعلامه: لماذا أسميتم ما يحدث في سورية حرباً أهلية؟ وحينها لن يتجرأ صناع الحقائق المزيفة على الإجابة، فيقولوا: لكي لا نتدخل..

لقد تناسى البحث الثورة المدنية بكل وجوهها السلمية ومن مختلف الطوائف والأعراق والتي هربت تحت وطأة قمع الأسد وتهديداته إلى مختلف بلدان أوروبا، وشهدت على إجرام الأسد قبل وجود التيارات السلفية، وعن تورطه بدماء ربع مليون سوري قبل وصول داعش إلى سورية، كما تناسى الغرب تماماً ما يقرب من مليون معتقل من المواطنين الذين شاركوا في المطالبة بالحرية.

ومن المؤكد أن أعداد المعتقلين لدى نظام الأسد ممن لا تربطهم بالإرهاب صلة ما، تفوق بأضعاف أعداد كل المقاتلين من القاعدة وداعش وخلافهما من التيارات التكفيرية التي كانت بدورها عدوة للشعب السوري ولثورته على وجه خاص.

خلاصة البحث جاءت أكثر قسوة وظلماً وافتراء من كل المغالطات الأخرى المقصودة وغير المقصودة، فهي تؤكد -دون أن تترك مجالاً للشك- بأن الحرب الأهلية هي من دمر سورية، كل البراميل والصواريخ وكل أنواع الأسلحة الثقيلة التي لا يمتلكها سوى النظام، وخصوصاً الطائرات، لم تمنع كتبة البحث من تحميل مسؤولية دمار سورية لأطراف الحرب الأهلية، أي لكل الأطراف المتصارعة، وبالتالي يكون الأسد، -في أفضل الأحوال- جزءاً من المشكلة ويتقاسم المسؤولية مع الأطراف الأخرى، ولكن حتى هذا الجزء البسيط من الشراكة في المسؤولية، سنجده منفياً تماماً حينما ننتهي من قراءة البحث، وخاصة حينما يتم وصف ميليشيات الأسد بالقوات الحكومية، وربما سيظهر الأسد في عيون القارئ الأوروبي بطلاً مخلصاً وشريكاً أساسياً للعالم المتحضر في مقارعة الإرهاب والتطرف والتخلف.

لقد دمرت سورية بسلاح الجو وحده والذي لا تمتلكه أي من قوى المعارضة، ولا حتى داعش أو الفصائل المتطرفة، وكان ذلك التدمير ممنهجاً ومركزاً، وهو أيضاً موثق بالصوت والصورة، فكيف للإعلام الغربي أن يتجاهل كل تلك الحقائق دون الشعور بالتقصير، وكيف يطرح حقائق مزيفة ومزورة فيما لديه كل الإمكانيات للوصول إلى كل التفاصيل لو أراد فعلاً أن يصنع قراءة موضوعية ومحايدة؟!

لقد قالها البحث صراحة: لم يعد الأسد مشكلة كبيرة بالنسبة للغرب!! أما السبب فيكمن بالمقارنة مع داعش واهتمام الغرب بالقضاء عليه، فداعش استطاع تغيير أولويات الغرب حينما شكل تهديداً حقيقياً له، وهنا لا بد من طرح السؤال على نحو مخالف: ولماذا لم يفعل الغرب شيئاً ضد الأسد حينما كان أولوية بالنسبة إليه؟ ولماذا تدخل عسكرياً فقط ضد داعش واكتفى بالتصريحات والكلام ضد الأسد على الرغم من أن إجرام الأسد وإرهابه لا يقل عن إجرام داعش، إذا افترضنا أنهما فعلاً -الأسد وداعش- على طرفي نقيض؟!!

 

لقد قالها البحث صراحة: لم يعد الأسد مشكلة كبيرة بالنسبة للغرب!! أما السبب فيكمن بالمقارنة مع داعش واهتمام الغرب بالقضاء عليه، فداعش استطاع تغيير أولويات الغرب حينما شكل تهديداً حقيقياً له، وهنا لا بد من طرح السؤال على نحو مخالف: ولماذا لم يفعل الغرب شيئاً ضد الأسد حينما كان أولوية بالنسبة إليه؟ ولماذا تدخل عسكرياً فقط ضد داعش واكتفى بالتصريحات والكلام ضد الأسد على الرغم من أن إجرام الأسد وإرهابه لا يقل عن إجرام داعش، إذا افترضنا أنهما فعلاً -الأسد وداعش- على طرفي نقيض؟!!

وإذا كان البحث يسعى إلى إيجاد المبرر الأخلاقي لعدم تدخل الغرب وإنهاء المأساة السورية، فلقد نسي أنه تدخل منذ البداية حينما جرّم الأسد ونزع عنه الشرعية وحتم عليه الرحيل مما شجع السوريين على المضي بثورتهم لاعتقادهم بأن ثمة من يناصرهم، ثمة من يدافع عن الحريات وحقوق الإنسان ولن يسكت عن جرائم الأسد ولن يدعه حراً طليقاً ومسلحاً يفعل ما يشاء بالشعب السوري.

لقد تحدث الغرب ربما أكثر من السوريين أنفسهم عن إجرام الأسد، وهو الذي قام بقطع العلاقات معه وسحب السفراء والدبلوماسيين وأغلق سفاراته في دمشق وفرض عقوبات اقتصادية على النظام وأعوانه، وراح زعماء الدول الغربية يتبارون في تحديد أيام الأسد المعدودة، ولم يعد لهم عمل إلا الحديث عن ضرورة رحيله وعن فقدانه للشرعية، بل لم يترك الغرب حينها مخرجاً لسورية إلا بتنحي الأسد ومحاكمته، وكل ذلك بسبب قتل الأسد لبضعة آلاف من السوريين في الأشهر الستة الأولى للثورة، حينها، لم يتحدث الغرب عن حرب أهلية وعن عدم رغبته بالتدخل، وبعد سنوات على المحرقة اليومية التي لم يتوقف الأسد وحلفاؤه عنها، عاد الغرب ذاته ليغير الخطاب والمسميات وينسل بهدوء من المشهد تحت ذريعة التوصيفات التي اعتمدها والتي لا صلة لها بالواقع.

وبعد أن أجهز الأسد على نحو مليون من السوريين، ومثلهم من المعتقلين وأضعافهم من المهجرين، وبعد أن دمر مدناً بأكملها وأحرق جزءاً كبيراً من سورية، لاذ الغرب بالصمت، وتوارى خلف المصطلحات التي ابتكرها، بخلاف بعض التصريحات التي تأتي من هنا وهناك على فترات متباعدة ثم لا تلبث أن تختفي تماماً.

على مدار التاريخ بقيت المصالح المرجع الأساسي في العلاقات الدولية، غير أن الدول القوية كانت توازن بين مصالحها وواجباتها الأخلاقية إن اقتضت الضرورة ذلك، ولو بالحد الأدنى، ولكن أن يساهم هذا الغرب أيضاً في تحريف الحقائق وصياغتها، وأن يكون مصنعاً متكاملاً للكذب والخداع والتضليل في قضية بمنتهى الوضوح كالقضية السورية، فذلك يعني نهاية وخيمة لقيم العدالة الإنسانية..

قبل بضعة سنوات، كان لا يزال بإمكان الغرب ممارسة الخديعة على نحو متكامل، أما ما بعد الموقف المريب والمخزي من القضية السورية فقد بات من الصعب التواري خلف الشعارات أو إقناع الشعوب بطروحاته، لقد خرس الصوت الغربي تماماً وقطع لسانه فلم يعد يرقى حتى للظاهرة الصوتية، وليت الأمر توقف عند ذلك، بل على العكس تماماً لقد عمل الغرب بأقصى طاقته للوقوف إلى جانب الديكتاتور وحمايته بل ومحاولة تبرئته تماماً، وهذا البحث الذي نتحدث عنه هو بحد ذاته نوع من التدخل وهو عينة عن أبحاث أخرى كثيرة ومقالات يومية لم تعد ترى في الحدث السوري إلا تلك الرؤية التي تخدم نظام العصابة بشكل مباشر وتساهم بشكل فعال ليس فقط بإعادة إنتاجه وتدويره، بل تبرئته من جرائم العصر الكبرى والتي لم تحدث في تاريخ البشرية..