في ظل تصاعد المخاوف البيئية والزراعية في ريف القنيطرة، أعادت حوادث رش مواد مجهولة من قبل طائرات زراعية إسرائيلية على الأراضي المحاذية للجولان المحتل تسليط الضوء على المخاطر التي تهدد مصادر رزق المزارعين وسلامة الموارد الطبيعية في المنطقة.
وبين خسائر مباشرة طالت المحاصيل الشتوية والغطاء النباتي، وتداعيات بيئية أوسع ما زالت آثارها قيد التقييم، يجد أهالي القرى الحدودية أنفسهم أمام واقع متكرر من الأضرار وعدم اليقين.
قال المزارع حسن الأسعد، من أهالي قرية جباتا الخشب بريف القنيطرة، إن الطيران الزراعي الإسرائيلي عاد للمرة الثانية إلى رش مواد مجهولة على الأراضي الزراعية المحاذية لخط وقف إطلاق النار، ما تسبب بأضرار واسعة في المحاصيل الشتوية، ولا سيما القمح والشعير، إضافة إلى نفوق الأعشاب البرية وأضرار لحقت بأشجار الزيتون.
وأوضح الأسعد، في حديث خاص لموقع سوريا 24، أن عملية الرش طالت الأراضي القريبة من الخندق الذي أُنشئ بمحاذاة خط وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن قسماً كبيراً من المزروعات أُبيد بشكل شبه كامل، فيما تضررت بقية المساحات بدرجات متفاوتة. وأضاف أن الأضرار لم تقتصر على المزروعات فقط، بل امتدت إلى الغطاء النباتي الطبيعي الذي يعتمد عليه المزارعون في المنطقة.
وبيّن أن الخندق ذاته فاقم من معاناة الأهالي، إذ أدى إلى حبس مياه الأمطار ومنعها من الوصول إلى الأراضي الزراعية الواقعة ضمن مسيلات الأودية الشتوية، الأمر الذي تسبب بتراجع منسوب الآبار السطحية وجفاف الينابيع والنباتات التي يعتمد عليها معظم الفلاحين في المنطقة.
وأشار الأسعد إلى أن الخندق حُفر على خط البراميل التابع لخط الأمم المتحدة الذي أُنشئ بموجب اتفاق فض الاشتباك عام 1974، ويفصل بين قرية جباتا الخشب وعدد من قرى محافظة القنيطرة من جهة، وقرى الجولان المحتل من جهة أخرى.
وحول طبيعة المواد التي جرى رشها، أعرب الأسعد عن تشكيكه في كونها مجرد مبيدات أعشاب تقليدية، مؤكداً أن توقيت الرش وطريقته لا يتوافقان مع الأساليب الزراعية المعروفة. وقال: “مبيدات الأعشاب تُستخدم عادة عندما تكون الأرض جافة، وتحتاج إلى فترة زمنية قبل ظهور تأثيرها، بينما جرى الرش في أجواء ماطرة، والأرض مشبعة بالمياه، ومع ذلك يبست الأعشاب والنباتات بسرعة، ما يدل على أن المادة كيميائية وخطيرة”.
وأضاف أن المادة التي أُلقيت كانت على شكل مسحوق جاف يشبه الطحين، وليس سائلاً، ما ساهم في انتشارها بفعل الأمطار وتأثيرها المتأخر بعد ثلاثة إلى أربعة أيام، لتطال الأعشاب وأشجار الزيتون على حد سواء، مرجحاً أن الطائرة الزراعية ربما لم تقصد الرش خارج الخندق بشكل مباشر، إلا أن تطاير المادة وانتقالها أدّيا إلى هذه الخسائر.
وأثارت الحادثة حالة من القلق في أوساط الأهالي، بعد قيام طائرات زراعية إسرائيلية برش مواد مجهولة على الحقول الزراعية المحاذية للجولان المحتل ضمن محافظة القنيطرة، ما تسبب بخسائر كبيرة في المحاصيل، خصوصاً القمح والشعير، في عدد من القرى.
وبحسب معاينات ميدانية، لوحظ موت الغطاء النباتي بشكل شبه كامل، ولا سيما الأعشاب البرية، في مؤشر على التأثير المباشر والخطير للمواد المستخدمة على البيئة الطبيعية في المنطقة.
ورجّح أحد المزارعين، استناداً إلى خبرته الزراعية، أن تكون المواد المرشوشة عبارة عن مبيد أعشاب عام قادر على القضاء على الأعشاب ذات الأوراق الرفيعة والعريضة معاً، مشيراً إلى أن نتائج هذا النوع من المبيدات لا تظهر فوراً، بل بعد عدة أيام من الرش، وهو ما يتطابق مع ما حدث في الأراضي المتضررة، مؤكداً أن أي مهندس زراعي مختص يمكنه تحليل العينات والتوصل إلى نتائج أولية في اليوم ذاته.
وفي توضيح رسمي، أعلنت دائرة الإعلام في وزارة الزراعة نتائج التحاليل المخبرية لعينات المياه والنباتات والتربة المأخوذة من عدة مواقع في ريف القنيطرة الجنوبي، عقب حادثة الرش الأخيرة.
وقالت الوزارة إنها تتابع، بالتعاون مع الجهات العلمية المختصة، حالة الموارد الطبيعية في محافظة القنيطرة، ولا سيما في المناطق القريبة من خطوط التماس، مشيرة إلى أن التحاليل أظهرت أن جميع العينات غير سامة وفق اختبارات السمية الحادة المعتمدة، وعدم وجود مواد عضوية ضارة في عينات المياه، إضافة إلى رصد آثار لبعض المبيدات العشبية ذات الأوراق العريضة والرفيعة في بعض العينات النباتية ضمن التحليل الكيفي.
وأكدت الوزارة أنها تتعامل مع مخاوف الأهالي بجدية كاملة، مطمئنة سكان القنيطرة إلى أن نتائج التحاليل لا تشكل خطراً على صحة وسلامة المواطنين والمزارعين، ومشددة على التزامها بمتابعة سلامة المياه والتربة والنباتات بشكل دوري، والتعاون مع الجهات العلمية المختصة لرصد أي مؤشرات غير طبيعية قد تظهر مستقبلاً، إلى جانب إبقاء المواطنين على اطلاع بكل المستجدات بشفافية، والعمل مع الجهات المعنية.