من الثورة والمبدأ إلى الخيانة: تحوّل عوني في “عيلة الملك” يثير الجدل

حجم الخط

فوجئ المشاهدون بتحوّل لافت في مسار شخصية عوني في مسلسل “عيلة الملك”، وهي الشخصية التي يؤديها الممثل جوان خضر. فمنذ الحلقات الأولى قدّم العمل عوني بوصفه شاباً صاحب موقف أخلاقي واضح، ينحاز إلى العدالة ويرفض الظلم، بل ويظهر بملامح شخصية “ثورية” ترتبط رمزياً بخطاب المبدئية والالتزام بالقضايا العامة ومعارضة النظام الساقط.

ويتعزز هذا البعد الرمزي من خلال ارتباطه بفتاة معتقلة سابقاً، وهو تفصيل يمنح الشخصية دلالة أخلاقية وسياسية ضمنية داخل سياق الحكاية.

غير أن الحلقة الحادية والعشرين شكّلت نقطة انعطاف مفاجئة في هذا المسار؛ إذ بدا عوني في سياق مختلف تماماً، يخون خطيبته ويدخل في علاقة نزوة عابرة مع شابة في الحارة.

هذا التحول لم يكن محل اعتراض بسبب مضمونه الأخلاقي بقدر ما أثار تساؤلات حول غياب التمهيد الدرامي الكافي الذي يفسر هذا التبدل الجذري في سلوك الشخصية. ففي الأعمال الدرامية لا تكمن المشكلة في سقوط الشخصية أو تناقضها، بل في كيفية بناء هذا التحول داخل السرد.

ورغم الجدل الذي رافق مسار هذه الشخصية، قدّمت الفنانة رنا ريشة أداءً درامياً لافتاً في تجسيد شخصية خولة، خطيبة عوني، ولا سيما في المشهد الذي تكتشف فيه خيانة خطيبها داخل المصبغة.

فقد اتسمت ردة فعل الشخصية بكثافة عاطفية واضحة عبّرت عن الصدمة والانكسار، وهو ما اعتبره بعض المتابعين من أكثر المشاهد تأثيراً في العمل.

ومع ذلك، فإن قوة الأداء التمثيلي لم تُخفِ الإشكالية الدرامية المرتبطة ببناء الحدث نفسه؛ إذ بدا أن هذا التفصيل، على أهميته، أُقحم ليصبح محور حلقة كاملة من دون مقدمات سردية كافية تمهد له أو تبرر تحوله إلى نقطة انعطاف أساسية في مسار الشخصيات.

هذه الانعطافة الأخلاقية في شخصية عوني فتحت الباب أمام تساؤلات حول المغزى الذي أراد كاتب العمل إسناده للشخصية. فإذا كان عوني يُقدَّم في البداية نموذجاً للشاب المبدئي المرتبط بقضية، فإن انتقاله السريع إلى موقف يناقض تلك القيم بدا لدى شريحة من المتابعين أقرب إلى مفاجأة درامية غير مبنية على مسار نفسي واضح أو تطور داخلي متماسك.

ولا يقتصر الجدل على شخصية عوني وحدها، بل يمتد إلى خطوط درامية أخرى في العمل، أبرزها العلاقة التي تجمع شخصية سندس بالمراهق.

وقد أثارت هذه العلاقة نقاشاً واسعاً بين المتابعين بسبب الفارق العمري بين الشخصيتين، وبسبب ظهورها المفاجئ في سياق الأحداث دون تمهيد درامي واضح.

وقد دافعت الممثلة شكران مرتجى عن هذا الخط الدرامي في تصريحات إعلامية، معتبرة أن العمل لا يختلق واقعاً غير موجود، بل يعكس أنماطاً من العلاقات التي قد تكون موجودة في المجتمع، داعيةً الجمهور إلى متابعة تطور الشخصية قبل إصدار حكم نهائي عليها.

كما طُرحت تساؤلات حول الخط السردي المتعلق بشخصية مازن، التي يؤديها الفنان لجين إسماعيل، والذي يمثل أحد محاور الصراع المرتبط بالمال والنفوذ داخل العمل، والارتباط بالسلطة والتضحية بكل ما يملك من مبادئ، حتى زجّ إخوته في السجن بدوافع كيدية مقابل الحصول على المال.

فالعلاقة ذات الطابع المادي التي تظهر بين مازن وزوجته، إلى جانب صلتها المركبة بابن خالتها في سياق السعي للاستفادة من ثروة مازن والسيطرة على ممتلكاته، تكشف عن بعد آخر في الحكاية يتصل بالطمع والصراعات العائلية المرتبطة بالثروة.

غير أن هذا المسار بدا بدوره، في بعض لحظاته، محاطاً بقدر من الغموض من حيث دوافع الشخصيات وتطورها داخل الحبكة، ما دفع بعض المتابعين إلى القول إن العمل لم يمنحه المساحة الكافية لبناء خلفيته الدرامية على نحو مقنع.

وفي خضم النقاشات التي رافقت عرض المسلسل، برز أيضاً تصريح للممثلة السورية هدى شعراوي، التي شاركت في العمل، إذ تحدثت في مقابلة إعلامية عن الجدل الدائر حول بعض العلاقات في المسلسل، مؤكدة أن هذه الخطوط الدرامية “تشكل جزءاً من تعقيد الشخصيات داخل الحكاية”، وأن العمل يسعى إلى تقديم نماذج بشرية غير مثالية تعكس تناقضات المجتمع.

وقد عاد اسم الفنانة إلى الواجهة لاحقاً بعد الحادثة المأساوية التي أودت بحياتها إثر جريمة ارتكبتها خادمتها، وهو ما أعاد تداول تصريحاتها حول المسلسل في سياق النقاشات التي رافقته.

وفي موازاة ذلك، شهد العمل سلسلة من التغييرات في طاقم الممثلين خلال مراحل التحضير والتصوير. فقد اعتذرت الممثلة أمل عرفة عن المشاركة في المسلسل بعد الإعلان الأولي عن انضمامها إليه، وهو ما أثار تساؤلات حول كواليس الإنتاج والتعديلات التي طرأت على فريق العمل.

كما انسحب الفنان عبد الهادي الصباغ من الدور الذي كان من المفترض أن يجسده، ليُسند لاحقاً إلى الفنان تيسير إدريس الذي ظهر في النسخة المعروضة من المسلسل.

تدور أحداث “عيلة الملك” في بيئة اجتماعية سورية معاصرة تتمحور حول عائلة نافذة تجمع بين المال والنفوذ، وما يرافق ذلك من صراعات على السلطة والإرث والعلاقات المتشابكة بين أفراد العائلة ومحيطهم الاجتماعي. ويقدّم العمل حكاية تتقاطع فيها الطبقات الاجتماعية المختلفة، بين عالم العائلات الثرية التي تمسك بمفاصل القوة الاقتصادية، وعالم الشخصيات التي تنتمي إلى طبقات أكثر هشاشة.

إلى جانب الجدل المرتبط ببناء الشخصيات، لفت بعض المتابعين إلى عدد من الهفوات الإخراجية التي ظهرت في بعض المشاهد، من بينها ظهور عناصر من الأمن العام في الدولة السورية الجديدة ضمن كادرات التصوير، إضافة إلى ظهور العلم السوري الجديد في بعض اللقطات، رغم أن الخط الزمني للأحداث يشير إلى أن القصة تدور في فترة سابقة تعود إلى عهد النظام السابق. وقد اعتبر بعض المتابعين هذه التفاصيل أخطاءً تتعلق بالاستمرارية الزمنية في العمل وتؤثر في دقة الإيهام الدرامي.

يبقى مسلسل “عيلة الملك” تجربة درامية أثارت نقاشاً واسعاً بين الجمهور والنقاد، سواء على مستوى البناء السردي للشخصيات أو على مستوى الجرأة في طرح بعض القضايا الاجتماعية.

ويشارك في بطولة المسلسل عدد من نجوم الدراما السورية، من بينهم جوان خضر وشكران مرتجى ورنا ريشة ولجين إسماعيل وتيسير إدريس، إلى جانب عدد من الممثلين الآخرين.

وقد كُتب المسلسل ضمن ورشة كتابة شارك فيها المؤلفون شادي كيوان ومعن سقباني وميادة إبراهيم، فيما تولّى إخراجه محمد عبد العزيز، وأنتجته شركة أيهم قبنض للإنتاج الفني.