تشهد مدينتا بانياس وطرطوس حالة ركود غير مسبوقة في الأسواق، مع تصدر الغلاء المشهد المعيشي وبلوغه مستويات تفوق قدرة العائلات على الاحتمال.
وباتت الحركة التجارية محدودة إلى حد كبير، في ظل عزوف شريحة واسعة من السكان عن الشراء، نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية، ما انعكس مباشرة على دورة الاقتصاد المحلي.
ويصف بعض الأهالي في المنطقة هذا الواقع بـ”الشلل الشرائي”، حيث تراجعت القدرة الاستهلاكية إلى أدنى مستوياتها، وسط فجوة متزايدة بين الدخل والإنفاق الضروري، الأمر الذي ألقى بظلاله على مختلف القطاعات، من تجارة المواد الغذائية إلى الخدمات والمهن الحرة.
150 ألف ليرة يوميا للقوت الأساسي
في هذا السياق، قال يامن ياسين، من سكان بانياس، في حديث لمنصة سوريا 24، إن العائلة في بانياس وطرطوس تحتاج اليوم إلى ما لا يقل عن 150 ألف ليرة سورية يوميا لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل كبير لدى الأسر التي تضم عددا أكبر من الأفراد.
ويشير هذا التقدير إلى أن تكاليف الطعام وحدها باتت تستهلك كامل الدخل تقريبا، ما يحرم العائلات من تلبية احتياجات أخرى أساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، ويدفعها إلى خيارات قاسية، من بينها تقليص الاستهلاك أو الاستدانة.
رواتب تتآكل أمام التضخم
على الرغم من الزيادات الرسمية الأخيرة على الرواتب، إلا أنها لم تنجح في مواكبة موجة التضخم المتسارعة، وفق ما يؤكده ياسين، الذي أوضح أن أي زيادة في الدخل “تتبخر” عمليا خلال الأيام الأولى من الشهر، مع تسديد الالتزامات الأساسية.
ويعكس هذا الواقع خللا واضحا في التوازن بين الأجور وتكاليف المعيشة، حيث لم تعد الرواتب كافية لتغطية الحد الأدنى من النفقات، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية بشكل متسارع، وارتفاع معدلات الفقر والاعتماد على مصادر دخل إضافية أو مساعدات خارجية.
المهن الحرة بين ارتفاع الأجور وضعف الطلب
لم يقتصر تأثير الأزمة على الموظفين فحسب، بل امتد أيضا إلى العمال والمياومين وأصحاب المهن الحرة، الذين اضطروا إلى رفع أجورهم لمواكبة الغلاء، لكنهم اصطدموا في المقابل بضعف القدرة الشرائية لدى الزبائن، حسب ياسين.
هذا التناقض خلق حالة من الركود في قطاعات واسعة، حيث تراجع الطلب على الخدمات، ما أدى إلى انخفاض حجم الأعمال والدخل، رغم ارتفاع الأسعار، في مشهد يعكس اختلالا عميقا في بنية السوق المحلية.
الإيجارات: الاستنزاف الأكبر للدخل
يبرز قطاع السكن كأحد أكثر الملفات إلحاحا، إذ تجاوزت إيجارات المنازل في بانياس وطرطوس حاجز المليون ليرة شهريا، في حين يلجأ بعض الملاك إلى طلب الدفع بالدولار، ما يضع عبئا إضافيا على المستأجرين.
ويمثل هذا الارتفاع ضغطا هائلا على ميزانيات الأسر، خاصة في ظل محدودية الدخل، حيث تذهب نسبة كبيرة من الرواتب لتغطية الإيجار فقط، ما يترك هامشا ضئيلا جدا لباقي الاحتياجات.
فواتير الطاقة تثقل كاهل الأسر والمحال
إلى جانب الإيجارات، تشكل تكاليف الطاقة عبئا إضافيا، إذ ارتفعت فواتير الكهرباء بشكل كبير، إلى جانب الاعتماد المتزايد على بدائل الطاقة، التي تبدأ تكلفتها من 600 ألف ليرة شهريا وقد تتجاوز ذلك بكثير.
ولا يقتصر تأثير هذه التكاليف على الأسر، بل يمتد إلى أصحاب المحال والمشاريع الصغيرة، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في تغطية نفقات التشغيل، ما يدفع بعضهم إلى تقليص نشاطه أو إغلاقه بالكامل.
دوامة معيشية مفتوحة على المجهول
ويجد سكان بانياس وطرطوس أنفسهم أمام معادلة معيشية شبه مستحيلة، حيث تتجاوز النفقات الأساسية بكثير حجم الدخل، وتلتهم الإيجارات وفواتير الطاقة الجزء الأكبر من الموارد المالية.
ومع وصول تكلفة الغذاء اليومي إلى مستويات غير مسبوقة، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة العجز المعيشي، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو حلول اقتصادية حقيقية قادرة على كبح جماح الأسعار، وتحسين القدرة الشرائية، وإنقاذ الأسر من الانزلاق نحو مزيد من التدهور.

