نساء السويداء بين مطبخ المنزل وسوق راكد: مشاريع صغيرة تقاوم الغلاء

حجم الخط

في إحدى زوايا مدينة السويداء، كانت مجموعة من النساء تجتمع يومياً داخل مطعم صغير يحمل اسم “خيرات الضيعة”، حيث لم يكن العمل مجرد مصدر دخل، بل مساحة للتكافل وتبادل الأدوار في إنتاج الألبان والأجبان وتحضير المونة والوجبات المنزلية. هناك، استطاعت نساء كثيرات إعالة أسرهن وسط ظروف اقتصادية معقدة، مستندات إلى روح العمل الجماعي وتوافر زبائن دائمين.

لكن هذا المشهد لم يدم طويلاً، إذ دفعت التحولات الاقتصادية الحادة وارتفاع تكاليف التشغيل، وعلى رأسها الإيجارات، إلى إغلاق المشروع، لتجد تلك النساء أنفسهن أمام واقع أكثر قسوة، عنوانه البطالة وغلاء المعيشة، وضرورة البحث عن بدائل فردية للبقاء.

تقول ميساء نصار، إحدى العاملات السابقات في المشروع، في حديثها لـ”سوريا 24”، إن إغلاق المطعم شكل نقطة تحول صعبة في حياتهن، موضحة أن العمل الجماعي كان يوفر استقراراً نسبياً من حيث الإنتاج والتسويق، وهو ما افتقدنه بعد انتقالهن للعمل من منازلهن. وتضيف أن الأشهر الأخيرة شهدت تدهوراً ملحوظاً في القدرة الشرائية، ما انعكس مباشرة على حجم الطلب، وأضعف فرص تسويق المنتجات المنزلية.

وتشير ميساء إلى أنها، كغيرها من النساء، اضطرت إلى خوض تجربة العمل الفردي، من خلال إعداد الوجبات المنزلية وصناعة المونة والخبز والحلويات، إلا أن غياب قنوات التسويق الفعالة وارتفاع تكاليف المواد الأولية جعلا من هذه المشاريع عبئاً مضاعفاً، لا سيما مع عدم وجود هامش ربح يتناسب مع الجهد المبذول.

وتتحمل ميساء مسؤولية إعالة ابنتها منذ وفاة زوجها، في صورة تعكس واقع شريحة واسعة من النساء المعيلات في السويداء، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع تحديات اقتصادية متراكمة، دون دعم كاف أو فرص عمل مستقرة.

وتؤكد أن العمل ضمن فريق كان يخفف الأعباء ويوزع التكاليف، إلا أن الغلاء المتصاعد، خصوصاً في إيجارات المحال التجارية، أجبرهن على التخلي عن المشروع الجماعي، والعودة إلى “مطابخ المنازل” كخيار وحيد متاح، رغم محدودية جدواه.

هذا التحول من العمل الجماعي إلى الفردي لم يؤثر فقط على حجم الإنتاج، بل أضعف أيضاً القدرة التنافسية لهذه المشاريع، في ظل سوق يعاني من الركود، ويفتقر إلى منصات تسويق تدعم المنتجات المحلية.

في السويداء اليوم، لا تبدو قصة ميساء استثناء، بل نموذجاً متكرراً لنساء يكافحن يومياً لإيجاد موطئ قدم في سوق هش، حيث تتحول المهارات المنزلية إلى وسيلة للبقاء، لا أكثر. وبين غلاء المعيشة وغياب الدعم، تبقى هذه المشاريع الصغيرة معلقة بين الاستمرار والانطفاء، في انتظار حلول تعيد لها الحد الأدنى من الاستقرار.