عندما شخصت فايزة العنتبلي بسرطان الثدي، لم تكن تخشى المرض وحده، بل الرحلة الطويلة التي اعتاد مرضى السرطان في الجنوب السوري خوضها بحثا عن العلاج. فقبل افتتاح مركز الأورام في درعا، كان الوصول إلى الجرعات العلاجية أو متابعة الحالة الصحية يتطلب السفر إلى دمشق وتحمل تكاليف إضافية تفوق قدرة كثير من العائلات.
تقول فايزة إنها تلقت ست جرعات علاجية داخل مركز الأورام في درعا قبل أن تحال إلى دمشق لإجراء عمل جراحي. وتوضح أن الجرعات العلاجية التي حصلت عليها في المركز كانت مجانية بالكامل، إلا أنها اضطرت في مراحل من العلاج إلى شراء أدوية مناعية على نفقتها الخاصة بسبب عدم توفرها آنذاك.
وبحسب فايزة، بلغت تكلفة الجرعة المناعية الواحدة نحو 900 دولار، وقد احتاجت إلى خمس جرعات من هذا النوع خلال فترة علاجها. كما كلفت العملية الجراحية التي خضعت لها في دمشق نحو ثمانية ملايين ليرة سورية، إضافة إلى ما يقارب نصف مليون ليرة ثمن الأدوية والمستلزمات الطبية المطلوبة أثناء العملية.
ورغم هذه الأعباء، ترى أن وجود المركز خفف جزءا كبيرا من معاناة المرضى، سواء من حيث التكاليف أو مشقة التنقل.
وتقول إن الكادر الطبي والتمريضي لعب دورا مهما في دعم المرضى نفسيا خلال رحلة العلاج، مضيفة أن الخوف الذي رافقها عند اكتشاف المرض تراجع تدريجيا بفضل المتابعة الطبية والدعم الذي تلقته داخل المركز.
ولا تبدو قصة فايزة استثناء في محافظة تشهد تزايدا في الحاجة إلى خدمات علاج الأورام. فبحسب أحدث تقديرات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، سجل في سوريا نحو 22 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويا، فيما يعيش عشرات آلاف المرضى مع المرض في مراحله المختلفة.
وتظهر البيانات أن سرطان الثدي يتصدر قائمة الإصابات بين النساء، بينما تعد سرطانات الرئة والقولون والمعدة من أكثر الأورام انتشارا على مستوى البلاد.
نقص في الأدوية
ويقول مدير مركز الأورام في درعا، الدكتور علاء النابلسي، إن المركز يقدم خدماته اليوم لأكثر من 80 في المئة من مرضى السرطان في المحافظة بشكل مجاني، ما جعله أحد أبرز المرافق الصحية المتخصصة في جنوب سوريا.
ويشير النابلسي إلى أن سرطانات الثدي والمعدة والكولون تشكل النسبة الأكبر من الحالات التي تستقبلها العيادات بشكل يومي، موضحا أن تزايد أعداد الإصابات يفرض تحديات مستمرة على قدرة المركز على تأمين بعض العلاجات المتخصصة.
ويضيف أن النقص لا يطال جميع الأدوية، بل يتركز أحيانا في بعض العلاجات النوعية والأدوية المناعية مرتفعة التكلفة، وهي أدوية يحتاجها عدد من المرضى ضمن بروتوكولات علاجية محددة. ويؤكد أن المركز تمكن خلال الفترة الماضية من توفير جزء من هذه العلاجات، الأمر الذي خفف أعباء مالية كبيرة عن المرضى الذين كانوا يضطرون إلى شرائها من السوق على نفقتهم الخاصة.
ويرى النابلسي أن الأثر الأهم للمركز لا يقتصر على تقديم العلاج، بل يتمثل أيضا في تقليص المسافات التي كان المرضى يقطعونها للحصول على الرعاية الطبية. فالكثير من المرضى باتوا اليوم يتلقون الجرعات العلاجية والمتابعة الدورية داخل المحافظة، بدلا من السفر المتكرر إلى العاصمة وما يرافقه من تكاليف ومشقة إضافية.
نقص في الخدمات.. وعلاج السرطان خارج رادار الوزارة حتى الآن
لكن الخدمات المتاحة ما تزال محدودة مقارنة بالاحتياجات الفعلية، فبحسب مدير مشفى درعا الوطني، الدكتور نزار رشدان، يغطي المركز حاليا علاج ثمانية أنواع من السرطان، من بينها سرطان الثدي وبعض سرطانات الدم، ويركز بشكل أساسي على تقديم العلاج الكيميائي للمرضى.
ويوضح رشدان أن المركز أنشئ بإشراف مديرية صحة درعا وبدعم من منظمة “الجمعية الطبية السورية الأميركية” (سامز)، بينما لا تتلقى مديرية الصحة حاليا دعما مباشرا من وزارة الصحة مخصصا لعلاج مرضى السرطان.
ويشير إلى أن خدمات العلاج الشعاعي والعديد من التدخلات الجراحية التخصصية ما تزال غير متاحة داخل المحافظة، ما يضطر المرضى إلى استكمال جزء من رحلة علاجهم في دمشق أو محافظات أخرى تضم مراكز أكثر تخصصا.
كما يؤكد أن إنشاء مراكز أورام متكاملة جديدة يبقى مرتبطا بخطط وزارة الصحة وأولوياتها على مستوى البلاد، والتي تأخذ في الاعتبار عدد المرضى والكثافة السكانية وبعد المناطق عن المراكز القائمة.
ويرى أن مناطق أخرى في سوريا، ولا سيما في الشرق والشمال الشرقي، تواجه تحديات أكبر في الوصول إلى خدمات علاج السرطان بسبب المسافات الطويلة وقلة المراكز المتخصصة.
في محافظة عانت لسنوات من تراجع الخدمات الصحية، يمثل مركز الأورام في درعا خطوة مهمة نحو تقريب العلاج من المرضى. غير أن استمرار ارتفاع أعداد الإصابات، والحاجة إلى توسيع الخدمات العلاجية وتأمين الأدوية المتخصصة بشكل مستدام، يطرح تحديات جديدة أمام القطاع الصحي، في وقت بات فيه السرطان أحد أكثر الأمراض استنزافا للأسر السورية من الناحيتين الصحية والاقتصادية.