لا يزال القطاع الصحي في مدينة داريا بريف دمشق يعاني تداعيات الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمنشآت الطبية خلال سنوات الثورة، نتيجة الاستهداف المتكرر الذي تعرضت له المدينة ومرافقها الخدمية. إذ يترقب الأهالي إعادة تشغيل المستشفى الوطني، باعتباره أحد أبرز المراكز الطبية التي كانت تقدم الرعاية الصحية لسكان داريا والمناطق المجاورة.
قبل خروجه من الخدمة، شكّل المستشفى الوطني العمود الفقري للمنظومة الصحية في المدينة، إذ ضم مختلف الأقسام والتخصصات الطبية، وكان مجهزاً بالمعدات والأجهزة اللازمة لتقديم الخدمات العلاجية والاستشفائية. إلا أن الأضرار التي لحقت به خلال السنوات الماضية أدت إلى توقفه عن العمل، ما انعكس سلباً على مستوى الرعاية الصحية، وحصر الخدمات المتاحة بعدد محدود من المستوصفات والمراكز الصحية.
ويستذكر الأهالي الدور الذي كان يؤديه المستشفى قبل توقفه. ويقول أبو ماهر، 50 عاماً، في حديثه لـ”سوريا 24”: “كان المستشفى متكاملاً من جميع النواحي، ويضم مختلف الأقسام والأطباء والاختصاصات. زوجتي أنجبت أحد أبنائنا فيه، وكانت الخدمات الطبية جيدة جداً، وكان المشفى الوحيد القادر على تلبية احتياجات سكان داريا وما حولها”.
إعادة تأهيل جزئية كمرحلة أولى
وفي حديثه لـ”سوريا 24”، أوضح مسؤول المكتب الإعلامي في مدينة داريا أن مؤسسة الابتكار والتنمية المستدامة (SDi) قامت بإعادة تأهيل جزء من المستشفى كمرحلة أولى، تشمل قسماً من الطابق الأرضي بمساحة تقارب 600 متر مربع.
وأضاف أن أعمال التأهيل تستهدف الأقسام الأكثر إلحاحاً، وتشمل الإسعاف والطوارئ، وغرفة العمليات، وأقسام الاستشفاء الأساسية، والعلاج الفيزيائي، والأشعة، والمخبر، إلى جانب تزويدها بالمعدات والتجهيزات الطبية وغير الطبية اللازمة لضمان تشغيلها.
وأشار إلى أن انطلاق الأعمال التنفيذية شهد تأخيراً خلال الفترة الماضية، رغم استكمال إجراءات التنسيق الرسمية والفنية مع الجهات الصحية المختصة، مؤكداً أن إعادة تشغيل هذه الأقسام ستسهم في تحسين وصول السكان إلى الخدمات الصحية، وإن كانت غير كافية لتغطية كامل الاحتياجات الطبية في المدينة.
واقع صحي محدود
يأتي مشروع إعادة التأهيل في وقت تعيش فيه داريا واقعاً صحياً محدود الإمكانات، إذ تقتصر الخدمات الطبية حالياً على مركز صحي واحد يعاني من ضعف الموارد، وتراجعت قدرته على تقديم الخدمات بشكل أكبر بعد انتهاء عقد المنظمة التي كانت تتولى دعمه وتشغيله.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن الهيكل الإنشائي للمستشفى ما يزال بحالة مقبولة نسبياً، مع وجود أضرار محدودة في بعض أجزائه، بينما تعرضت تجهيزاته الطبية ومرافقه الداخلية وأعمال الإكساء لعمليات نهب واسعة خلال السنوات الماضية، شملت الأجهزة والمعدات والمحتويات الأساسية للمستشفى.
تحديات مستمرة أمام التعافي
ورغم أهمية مشروع إعادة التأهيل، يؤكد عاملون في القطاع الصحي أن التحديات لا تزال كبيرة، وفي مقدمتها النقص في الكوادر الطبية المتخصصة، والحاجة إلى أجهزة حديثة وأدوية ومستلزمات طبية تضمن تقديم خدمات صحية متكاملة ومستدامة.
ويُنظر إلى إعادة تأهيل المستشفى الوطني في داريا بوصفها خطوة أساسية على طريق تعافي القطاع الصحي في المدينة، إلا أن الوصول إلى منظومة صحية قادرة على تلبية احتياجات السكان بشكل كامل يتطلب استمرار الدعم وتوسيع مشاريع التأهيل، إلى جانب تأمين الكوادر البشرية والتجهيزات الطبية اللازمة.
ومع استمرار أعمال الترميم والتجهيز، يطالب الأهالي والمهتمون بالشأن الصحي بزيادة الاهتمام بالقطاع الطبي في المدينة، بما يسهم في توسيع نطاق الخدمات وتحسين جودتها، وتعزيز قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة لاحتياجات السكان خلال المرحلة المقبلة.
وفي حين تمثل إعادة تأهيل المستشفى مؤشراً إيجابياً على بدء تعافي القطاع الصحي في داريا، فإن استدامة هذا التعافي تبقى رهناً باستمرار الدعم والتخطيط طويل الأمد لإعادة بناء المنظومة الصحية وتعزيز جاهزيتها لخدمة المجتمع المحلي.