بين حديث ترمب وردّ الشرع.. ما طبيعة الدور السوري المحتمل في لبنان؟

حجم الخط

أعاد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إمكانية اضطلاع سوريا بدور في التعامل مع ملف حزب الله في لبنان إحياء نقاش قديم حول موقع دمشق في المعادلة اللبنانية، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت العلاقة بين البلدين طوال العقود الماضية.

ففي وقت تواصل فيه الولايات المتحدة ضغوطها لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وتقليص نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، جاء رد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع قناة المشهد ليؤكد أن دمشق لا تسعى إلى التدخل في الشأن اللبناني، وأن مقاربتها تقوم على دعم الاستقرار والتنسيق مع الدولة اللبنانية والمساهمة في تهيئة الظروف للحلول السياسية، مؤكداً أنّ العلاقة بين البلدين لن تعود إلى الحشود العسكرية.

وبين الطرح الأميركي والموقف السوري، عاد السؤال إلى الواجهة: ما الذي تريده واشنطن من دمشق في لبنان؟ وما حدود الدور الذي يمكن أن تقبله سوريا الجديدة في الساحة اللبنانية بعد سقوط نظام الأسد؟

من الوصاية إلى الدولة

لا يتعلق الجدل الحالي فقط بمستقبل حزب الله أو بموازين القوى في لبنان، بل بطبيعة التحول الذي شهدته السياسة السورية نفسها، فبعد عقود كانت فيها دمشق لاعباً مباشراً في تفاصيل الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، تحاول القيادة السورية الجديدة تقديم مقاربة مختلفة تقوم على التعامل مع لبنان بوصفه دولة ذات سيادة، لا ساحة نفوذ أو امتداداً للسياسات الإقليمية السورية.

ومن هنا تبدو تصريحات الشرع ذات دلالة تتجاوز الرد على ترامب، إذ تعكس محاولة لرسم حدود جديدة للعلاقة مع بيروت، قائمة على التعاون بين الدولتين بدلاً من التدخل في شؤونهما الداخلية.

وفي الداخل السوري، لا تبدو عودة نفوذ حزب الله والميليشيات الإيرانية خياراً قابلاً للقبول شعبياً، بعد سنوات من الانتهاكات والتدخلات التي جعلت قطاعات واسعة من السوريين تنظر إلى هذا النفوذ بوصفه تهديداً للاستقرار لا ضمانة له.

كما أن اعتماد الحكومة السورية نهجاً يقوم على ضبط ردود الفعل ومنع الانتقام بعد سقوط النظام أسهم في فتح هامش أمام بعض العناصر التي ارتبطت سابقاً بتلك الميليشيات للانفكاك عن المشروع الإيراني والاندماج مجدداً في المسار الوطني.

التدخل العسكري ليس الخيار المرجح

في هذا السياق، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي أن احتمالات التدخل العسكري السوري المباشر في لبنان تبدو ضعيفة في المدى المنظور.

ويقول إن المقاربة التي يتبناها الرئيس الشرع ترتكز على دعم استقرار لبنان من خلال التنسيق مع الحكومة اللبنانية وضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، وأنّ التركيز لدى دمشق ينصب في الوقت الحالي على التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي والمصالح المشتركة بدلاً من النفوذ العسكري، لكن نجاحها يبقى مرتبطاً باستقرار البلدين ومعالجة الملفات الأمنية العالقة.

لكنه في المقابل يفتح الباب أمام إمكانية التدخل الأمني المحدود كخيار استثنائي قد تفرضه الضرورات الأمنية، وليس توجهاً سياسياً دائماً.

وبحسب عاصي، فإن ما يُطرح أميركياً لا يعني بالضرورة وجود موافقة سورية عليه، بل يمكن قراءته في إطار الضغوط التي تمارسها واشنطن على لبنان وعلى أطراف إقليمية أخرى لحسم ملفات عالقة تتعلق بالسلاح والنفوذ الإقليمي.

ومع ذلك، لا يستبعد الباحث في مركز جسور أن تتأثر حسابات دمشق مستقبلاً بمسار الضغوط أو الحوافز الدولية، خصوصاً إذا ارتبطت بملفات رفع العقوبات وإعادة الإعمار والاعتراف الدولي الكامل بالإدارة السورية الجديدة.

ويشير إلى أن أي دور سوري محتمل في لبنان، إذا فُرضت ظروفه السياسية مستقبلاً، سيكون على الأرجح جزءاً من تفاهمات سورية ـ لبنانية ـ دولية واسعة، لا تدخلاً عسكرياً مباشراً كما كان الحال في مراحل سابقة.

كما يلفت إلى أن مثل هذا السيناريو سيحتاج إلى تفاهمات مسبقة تتعلق بالملفات الحدودية والسيادية، وفي مقدمتها مزارع شبعا، وإلى تحديد واضح لطبيعة المهمة وأهدافها ومدتها وضماناتها السياسية.

رسائل طمأنة وفرصة لإعادة بناء العلاقة

من جهتها، ترى الخبيرة الاقتصادية اللبنانية فيوليت بلعة أن تصريحات الشرع حملت رسائل طمأنة للبنانيين، خصوصاً أنها جاءت في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها ملفات المفاوضات الأميركية الإيرانية والحرب في المنطقة ومستقبل حزب الله.

وتقول لموقع سوريا 24 إن الحديث عن احتمال وجود طلب أميركي من دمشق للتدخل في ملف الحزب لا يمكن استبعاده بالكامل، لكنه لا يعني أن سوريا وافقت عليه أو أنها مستعدة للانخراط في هذا المسار.

وبحسب بلعة، فإن الطرح الأميركي يمكن فهمه أيضاً باعتباره جزءاً من الضغوط التي تمارسها واشنطن على الدولة اللبنانية لدفعها نحو استكمال تنفيذ القرارات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، أكثر من كونه مؤشراً إلى عودة دور سوري مباشر داخل لبنان.

وتشير إلى أن الذاكرة السياسية اللبنانية ما تزال مثقلة بإرث العلاقة مع النظام السوري السابق، ما يجعل أي حديث عن دور سوري في لبنان يُستقبل بحساسية عالية، سواء داخل الأوساط السياسية أو الشعبية.

اقتصاد يتقدم على السياسة

ولا يمكن الحديث عن العلاقة الجديدة بين البلدين الجارين بعيداً عن الحسابات التجارية لكليهما، إذ ترى بلعة أن الفرصة الحقيقية لإعادة بناء العلاقة بين البلدين لا تكمن في الملفات الأمنية، بل في الاقتصاد.

وبحسب تقديرها، يحتاج لبنان وسوريا اليوم إلى شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، لا على التوازنات السياسية أو الأمنية التي حكمت المراحل السابقة.

وتشير إلى أن قطاعات إعادة الإعمار والسياحة والتبادل التجاري والترانزيت والتصدير والاستيراد تمثل المجالات الأكثر قدرة على إنتاج مصالح مشتركة بين البلدين، فيما يمكن للبنان أن يساهم بخبراته في الخدمات اللوجستية والتغليف الصناعي والقطاعات المرتبطة بالتجارة، مقابل ما توفره سوريا من سوق واسعة وفرص استثمارية مرتبطة بإعادة الإعمار.

وتؤكد في ختام حديثها أن نجاح هذا المسار يتطلب بناء علاقة متوازنة تقوم على احترام سيادة الدولتين ومصالحهما المشتركة، بعيداً عن التجارب التي طبعت العقود الماضية.

أسئلة مفتوحة

حتى الآن، لا يبدو أن دمشق مستعدة للعودة إلى الأدوار التي لعبتها في لبنان خلال العقود السابقة، كما لا تبدو واشنطن قادرة على فرض معادلة جديدة بسهولة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

لكن ما زال كثير من الأسئلة مطروحاً: هل يقتصر الدور السوري على ضبط الحدود والتنسيق الأمني مع الدولة اللبنانية؟ أم أن تطورات الإقليم قد تدفع دمشق إلى لعب أدوار أوسع مستقبلاً؟ وهل تستطيع الحكومة اللبنانية حسم الملفات الأمنية العالقة من دون الحاجة إلى وساطات أو أدوار خارجية؟ وهل تنجح المصالح الاقتصادية في فتح صفحة جديدة بين البلدين قبل تسوية الملفات السياسية الثقيلة؟ وأخيراً، هل نشهد ولادة علاقة سورية ـ لبنانية جديدة تقوم على منطق الدولة والشراكة، أم أن إرث العقود الماضية سيبقى حاضراً في رسم حدود المستقبل؟

تلك الأسئلة لا تملك إجابات نهائية اليوم، لكنها ترسم ملامح النقاش الذي سيحدد شكل العلاقة بين بيروت ودمشق في السنوات المقبلة، في منطقة ما تزال تعيد صياغة توازناتها بعد سنوات طويلة من الحروب والتحولات.