الغابات في إدلب… تعافٍ بطيء بعد عقد من الاستنزاف

حجم الخط

عندما سقط نظام الأسد في كانون الثاني/ديسمبر 2024، لم تكن المدن والقرى وحدها تحمل آثار إجرامه، فالمرتفعات التي كانت تغطيها غابات السنديان والصنوبر والبلوط والكينا بدت بدورها وقد فقدت جزءًا كبيرًا من غطائها الأخضر، بعد سنوات من القصف والحرائق والاحتطاب الجائر.

وتشير استراتيجية وزارة الزراعة للإعمار والتعافي الزراعي (2026-2030) إلى أن مساحة الأراضي الحراجية في سوريا تراجعت من نحو 597 ألف هكتار عام 2005 إلى نحو 587 ألف هكتار عام 2024، نتيجة الحرائق والتعديات والتوسع العمراني والاحتطاب غير المشروع، إلى جانب الآثار المباشرة للحرب.

كما تؤكد الاستراتيجية أن إعادة تأهيل الغابات أصبحت جزءًا من خطة التعافي الوطني، لما تمثله من أهمية في حماية التربة والموارد المائية والتنوع الحيوي.

وتتفق هذه المعطيات مع تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، التي ترى أن تدهور الغطاء النباتي في سوريا بات يتداخل مع آثار التغير المناخي والجفاف، وهو ما يفاقم التصحر ويقلص قدرة المجتمعات الريفية على استعادة مصادر رزقها.

وضمن خطة التعافي الزراعي للفترة 2025-2027، تستهدف المنظمة، بالتعاون مع وزارة الزراعة، دعم نحو 9.8 ملايين شخص من خلال إعادة تأهيل الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية، بما فيها الغابات والمراعي.

وفي محافظة إدلب، تبدو آثار هذا التراجع أكثر وضوحاً، ويقول رئيس دائرة الحراج في مديرية الزراعة، شادي رحال، لموقع سوريا 24، إن الغابات والأحراج تكبدت منذ عام 2011 خسائر واسعة نتيجة العمليات العسكرية وقصف قوات النظام، إضافة إلى الحرائق والقطع الجائر والتعديات الفردية وزراعة الألغام في المواقع الحراجية.

وأدت هذه العوامل، بحسب رحال، إلى فقدان عشرات آلاف الدونمات من الغطاء الحراجي، وخسارة مئات آلاف الأشجار من الأنواع المحلية، أبرزها السنديان والبلوط والصنوبر والكينا والسرو، ما تسبب في تراجع كبير للتوازن البيئي في المحافظة.

ويشير رحال إلى أن جبل الزاوية، وأحراج كفرنبل، وغابات جسر الشغور، والمواقع الحراجية في حارم، تعد من أكثر المناطق تضررًا، حيث تعرضت مساحات واسعة منها للقطع الكامل أو شبه الكامل.

ويضيف أن الحرب لم تكن العامل الوحيد في هذا التدهور، إذ دفعت الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود وغياب بدائل الطاقة آلاف الأسر إلى الاعتماد على الحطب للتدفئة، بينما ساهم ضعف الرقابة خلال سنوات النزاع، وتزايد الطلب على الأخشاب، والنزوح الداخلي، في تسريع استنزاف ما تبقى من الغابات.

ومع بدء مرحلة التعافي، انطلقت محاولات لإعادة بناء الغطاء الحراجي. ويوضح رحال أن مديرية الزراعة نفذت خلال العام الماضي برنامجًا لإعادة التشجير شمل زراعة أكثر من 100 ألف غرسة حراجية في مناطق سراقب وكفرنبل وحارم، مع التركيز على الأنواع المحلية الأكثر قدرة على التأقلم مع البيئة السورية، مثل السنديان والبلوط والصنوبر والغار والكينا والسماق، بهدف رفع معدلات نجاح الغراس واستعادة التوازن البيئي.

وتزامنت هذه الجهود مع إطلاق وزارة الزراعة حملة “معًا لإعادة إدلب خضراء”، التي تستهدف إعادة تأهيل المواقع المتضررة من الحرب والحرائق والاحتطاب الجائر. وتشمل الحملة توزيع نحو 200 ألف غرسة زيتون على المزارعين، إلى جانب برنامج لإعادة تشجير المواقع الحراجية. ووفق البيانات الرسمية، جرى حتى نهاية عام 2025 زراعة نحو 120 ألف غرسة زيتون وألفي غرسة حراجية، فيما تستهدف المرحلة المقبلة الوصول إلى 200 ألف شجرة زيتون و150 ألف غرسة حراجية في مختلف مناطق المحافظة.

ولا تقتصر خطط إعادة التأهيل على زراعة الأشجار، بل تشمل إنشاء مشاتل مركزية لإنتاج الغراس، وتأمين مصادر مياه مستدامة عبر الآبار العاملة بالطاقة الشمسية، وتعزيز حماية المواقع الحراجية من خلال زيادة أعداد الحراس، وتفعيل برامج التوعية المجتمعية، والاستفادة من صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة لمراقبة الغابات ورصد التعديات.

إلا أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، ما تزال تمثل خطوة أولى مقارنة بحجم الدمار الذي لحق بالغابات خلال أكثر من ثلاثة عشر عامًا من القتل والتدمير الممنهج الذي مارسه نظام الأسد.

فبحسب رحال، ما تزال محدودية التمويل، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، واستمرار التعديات، إضافة إلى انتشار الألغام ومخلفات الحرب، تشكل أبرز العقبات أمام إعادة تأهيل الغطاء الحراجي.

ويرى مختصون أن نجاح هذه الجهود لن يقاس بعدد الغراس المزروعة فحسب، بل بقدرتها على البقاء لعقود، واستعادة النظم البيئية التي فقدتها المنطقة، وهو مسار يتطلب حماية قانونية مستدامة واستثمارات طويلة الأجل تتجاوز مرحلة إعادة الزراعة إلى إعادة بناء الغابة نفسها.