ما الخيارات الإسعافية أمام الحكومة السورية لمعالجة أزمة المحروقات؟

حجم الخط

رفعت الحكومة السورية، ممثلة بوزارة الطاقة، أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 20 و40%، في خطوة تأتي وسط أزمة في تأمين المشتقات النفطية، وتنعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء والتدفئة، ما يثير مخاوف من انتقال الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات في وقت لا تزال فيه دخول المواطنين منخفضة.

ويرى الخبير الاقتصادي مهيب صالحة أن رفع تكلفة الطاقة ينعكس على مختلف مراحل الإنتاج، من المصنع أو المزرعة وصولاً إلى المستهلك، ما قد يدفع المستوى العام للأسعار إلى الارتفاع ويؤثر في الطلب والناتج المحلي، في وقت تواجه فيه الحكومة معادلة صعبة بين ارتفاع كلفة المحروقات واستمرار أزمة تأمينها.

معالجة عاجلة لمخزون النفط الثقيل

وبحسب تصريح صالحة لـ”سوريا بلس”، تمتلك الحكومة نحو مليوني برميل من النفط الثقيل معروضة للبيع، إلا أن عدم وجود مشترٍ لها يعود، وفق ما ذكره، إلى ارتفاع نسبة الأملاح والشوارد فيها نتيجة عيوب إنتاجية، ما يجعلها غير صالحة للتكرير بالطرق المعتادة.

ويقترح صالحة البحث بشكل عاجل عن إمكانية بيع هذه الكمية أو إيجاد طريقة لتكريرها، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من مصفاة متخصصة في تكرير المخلفات في المدينة الصناعية بعدرا، بما قد يساعد في الاستفادة من مورد موجود بدلاً من بقائه خارج دورة الإنتاج.

تأمين إمدادات إضافية وترشيد الاستهلاك

ولا يقتصر الحل، وفق الخبير، على معالجة الكميات المتوافرة حالياً، بل يتطلب البحث عن مصادر إضافية لتأمين احتياجات السوق، ومنها عقد شراكة مع طرف عربي لتوفير جزء من احتياجات سوريا النفطية بسعر تفضيلي أو وفق آلية دفع مؤجلة.

وفي موازاة ذلك، يرى صالحة أن الحكومة تستطيع تخفيف الضغط على الطلب من خلال ترشيد استهلاك الطاقة في مؤسسات الدولة، وتنظيم استخدام الوقود، بما في ذلك تحديد الكميات المخصصة للسيارات وفق طبيعة استخدامها ووظيفتها.

كما يطرح تنظيم حركة النقل كإجراء إسعافي لتقليل استهلاك المحروقات، إلى جانب تحسين إدارة قطاع الكهرباء والبدء بالاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، مع تحسين الجباية ومنع التعديات على الشبكة.

الرفع التدريجي للأسعار بدلاً من الصدمة

ويعتبر صالحة أن الانتقال المفاجئ إلى أسعار مرتفعة للمحروقات يخلق صدمة اقتصادية واجتماعية، وكان من الأفضل اعتماد الرفع التدريجي للأسعار وبنسب يمكن للاقتصاد والمستهلك تحملها.

ويربط الخبير بين أزمة المحروقات وفجوة أخرى تتمثل في الفرق الكبير بين معدلات التضخم ومستويات الأجور، معتبراً أن معالجة هذه الفجوة لا تكون عبر دعم المحروقات للمستهلك، وإنما من خلال رفع الأجور تدريجياً بما يواكب معدلات التضخم.

الحوكمة ومكافحة الفساد في قطاع النفط

ويضع صالحة إصلاح إدارة قطاع النفط ضمن الإجراءات الأساسية لمعالجة الأزمة، داعياً إلى إخضاع القطاع لمستويات أعلى من الشفافية والحوكمة، ورفع كفاءة الأداء والفعالية الاقتصادية، إلى جانب مكافحة الفساد وإبعاد المتنفذين عن إدارة موارده.

ويرى أن إصلاح القطاع لا يقتصر على معالجة أزمة المحروقات الحالية، بل يرتبط بقدرته على تأمين موارد الدولة وإدارة الثروة النفطية بكفاءة.

استراتيجية طويلة الأمد للطاقة

وبعيداً عن الإجراءات الإسعافية، يرى صالحة أن معالجة أزمة الطاقة تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشمل استكشاف وإنتاج الطاقة، وآليات توزيعها وضبط استهلاكها، وتحسين الجباية وتعزيز حوكمة القطاع.

كما يقترح العمل على إبرام اتفاقات لنقل الطاقة عبر الأراضي السورية، وإعادة تشغيل خطوط نقل النفط القديمة، بما يمكن أن يحول موقع سوريا الجغرافي إلى مصدر إضافي للعوائد ويسهم في تعزيز أمن الطاقة مستقبلاً.

وبحسب صالحة، تضع أزمة المحروقات الحكومة أمام خيارين متلازمين: تأمين مصادر جديدة للوقود من جهة، وضبط الاستهلاك وإصلاح إدارة قطاع الطاقة من جهة أخرى. وبينما قد توفر الإجراءات الإسعافية متنفساً مؤقتاً، فإن تجاوز الأزمة بصورة مستدامة يتطلب معالجة أوسع لقطاع الطاقة وربط أسعار المحروقات بسياسة أجور قادرة على الحد من آثار التضخم على المواطنين.