تصدّرت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الأربعاء، إلى العاصمة الروسية موسكو، واجهة الأحداث السياسية، كونها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تحولات ميدانية وسياسية عميقة شهدتها الجزيرة السورية خلال الأسابيع الماضية، ولا سيما بعد سيطرة الجيش السوري على مدن الرقة ودير الزور، وأجزاء واسعة من محافظة الحسكة، عقب مواجهات انتهت بتراجع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن مساحات كانت تُعدّ لسنوات خارج سيطرة دمشق.
وتفتح الزيارة الباب أمام تساؤلات متعددة حول طبيعة الملفات المطروحة على جدول أعمال اللقاء، وما إذا كانت محصورة بترتيبات ما بعد انحسار نفوذ “قسد” في الجزيرة السورية، أم أنها تتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة أوسع للعلاقة السورية–الروسية، تشمل الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى أدوار موسكو الإقليمية في ظل المشهد الجديد داخل سوريا.
عمق العلاقات الثنائية بين البلدين
وذكرت الرئاسة السورية في بيان أن اجتماعًا موسعًا عُقد في قصر الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو، جمع الرئيس أحمد الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحضور كبار المسؤولين من الجانبين.
وأكد الشرع خلال الاجتماع عمق العلاقات السورية–الروسية، وأهمية الدور الروسي في دعم وحدة سوريا واستقرارها، مشيرًا إلى أن سوريا تجاوزت خلال العام الماضي تحديات كبرى، كان آخرها توحيد أراضيها، ومعربًا عن الأمل بالانتقال إلى الاستقرار والسلام.
من جهته، رحّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الشرع، مؤكدًا العمل على تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية، ومشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين ذات جذور عميقة وتشهد تطورًا متواصلًا، وأن عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية تشكّل خطوة مهمة في تعزيز وحدة الأراضي السورية، حسب البيان.
بوتين للشرع: نتابع جهودكم في استعادة وحدة سوريا
وخلال استقباله الشرع، أكد بوتين قائلًا: “لقد كنا نتابع عن كثب جهودكم فيما يتعلق باستعادة وحدة أراضي سوريا، وأود أن أهنئكم على حقيقة أن هذه العملية تكتسب زخمًا”.
وتابع: “لقد دعونا دائمًا إلى استعادة وحدة أراضي سوريا – كما تعلمون – وندعم جميع جهودكم في هذا الاتجاه”.
وأعرب بوتين عن أمله في “أن يكون دمج منطقة الفرات خطوة مهمة بلا شك في هذا الاتجاه، وسيسهم في استعادة وحدة أراضي سوريا بشكل عام”.
الجزيرة السورية على طاولة الكرملين
تأتي زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو مترافقة مع تطورات ميدانية لافتة، أبرزها بدء انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي في ريف الحسكة، في خطوة وُصفت بأنها مؤشر على إنهاء الوجود العسكري الروسي في مناطق بالجزيرة السورية، بالتوازي مع تمدد سيطرة الجيش السوري على معظم مناطق الجزيرة السورية.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر سورية أن القوات الروسية باشرت منذ أيام إخلاء قاعدتها العسكرية في مدينة القامشلي، ونقل الجنود والمعدات إلى قواعدها في ريف اللاذقية، موضحة أن الانسحاب يتم بشكل تدريجي منذ الأسبوع الماضي، مع توقعات بنقل جزء من القوات إلى قاعدة حميميم الجوية، وعودة جزء آخر إلى الأراضي الروسية.
وفي السياق ذاته، ذكرت الوكالة أن صحيفة “كوميرسانت” الروسية نقلت عن مصدر سوري، لم تُسمّه، أن الحكومة السورية قد تطلب رسميًا من القوات الروسية مغادرة القاعدة بعد إخراج القوات الكردية منها، باعتبار أن “مبررات الوجود الروسي في المكان لم تعد قائمة”.
قراءة في توقيت الزيارة
ويرى الدكتور محمود الحمزة، الباحث والمحلل السياسي، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تُعد الثانية من نوعها، بعد زيارة سابقة جرت في 15 تشرين الأول الماضي، لكنها تأتي هذه المرة في “لحظة شديدة الحساسية”، عقب سيطرة دمشق على مساحات واسعة كانت خاضعة لـ“قسد”، ولا سيما في دير الزور والرقة وشرق حلب وأجزاء من الحسكة.
ويشير الحمزة إلى أن تزامن الزيارة مع بدء انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي يمنحها دلالة خاصة، مرجحًا أن تشمل أجندتها ملفات متنوعة، اقتصادية وعسكرية وأمنية وسياسية، وفي مقدمتها مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا.
ويضيف أن العلاقات بين دمشق وموسكو شهدت خلال العام الأخير تبادلًا مكثفًا للزيارات والمباحثات، ما أفضى إلى تفاهمات تحتاج اليوم إلى “بصمات نهائية” من الرئيسين.
القواعد العسكرية والتعاون الدفاعي
وبحسب الحمزة، من المرجح أن تتناول المباحثات مصير القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، مع احتمال تحويلهما إلى قواعد ذات طابع لوجستي وإنساني، وهو ما سبق أن أشار إليه الجانب الروسي في تصريحات سابقة.
كما يُتوقع بحث ملفات إعادة تدريب الجيش السوري، وتزويده بالسلاح، وصيانة المعدات العسكرية القديمة التي خلّفها النظام السابق.
وفي ما يخص ملف “قسد”، يؤكد الحمزة أن الحكومة السورية لا ترغب في الذهاب
إلى مواجهة عسكرية شاملة، وتسعى إلى حل سياسي، معوّلة على دور روسي إيجابي في إدارة هذا الملف، إلى جانب دور موسكو في الجنوب السوري، بحكم علاقاتها مع إسرائيل وقدرتها على الانتشار هناك دون اعتراض إسرائيلي مباشر.
موسكو ودمشق: إعادة بناء العلاقة
من جانبه، يرى الباحث الروسي ديمتري بريجع، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الرئيس السوري إلى موسكو تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تشكّل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية إعادة بناء العلاقة الروسية–السورية على أسس جديدة، بعد مرحلة انتقالية حساسة، وفتح مسار لترتيب ملفات أمنية واقتصادية معلقة.
ويقول بريجع إن أهمية الزيارة تكمن في تثبيت قناة سياسية مباشرة على مستوى القمة، بما يعني اعترافًا متبادلًا بضرورة إدارة الخلافات ضمن إطار تفاوضي واضح، وتحويل العلاقة من عبء سياسي ثقيل إلى “شراكة وظيفية” قائمة على المصالح القابلة للتنفيذ.
المصالح المتبادلة والرهانات الإقليمية
وبحسب بريجع، تسعى موسكو إلى ضمان مستقبل قواعدها العسكرية والتكيف مع الواقع الجديد في سوريا، مع الحفاظ على هامش نفوذ يمنع تآكل موقعها في شرق المتوسط، فيما تركز دمشق على تثبيت سيادتها، وإدارة ملفات الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، واحتواء بؤر عدم الاستقرار.
ويضيف أن تعزيز التنسيق الروسي–السوري قد ينعكس على خفض احتمالات الاحتكاك العسكري، وتطوير آليات أدق لإدارة مناطق التداخل، سواء في الشمال الشرقي أو الجنوب السوري، بما في ذلك ملف الغارات الإسرائيلية والتوترات الأمنية المرتبطة بها.
الاقتصاد والطاقة: من الوعود إلى الممكن
على الصعيد الاقتصادي، يقلّل بريجع من توقعات “الطفرة السريعة”، معتبرًا أن التعاون التجاري بين البلدين في المدى القريب سيكون أقرب إلى “اقتصاد تشغيل” يركّز على الحبوب والطاقة والكهرباء، وإعادة تأهيل البنية التحتية والموانئ، عبر مشاريع مرحلية قابلة للتمويل والتنفيذ.
ويشير إلى أن العقبة الدائمة تبقى في قنوات الدفع والتمويل والتأمين، ما يدفع الطرفين للبحث عن صيغ مرنة للتسويات، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بدلًا من التعويل على استثمارات ضخمة يصعب تحقيقها في الظروف الحالية.
ما بعد الزيارة
في المحصلة، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو محطة مفصلية في مسار إعادة ترتيب العلاقة السورية–الروسية، في ظل مشهد داخلي وإقليمي متغيّر.
وبينما تعوّل دمشق على دعم روسي يواكب تثبيت سيادتها وإعادة بناء مؤسساتها، تسعى موسكو إلى الحفاظ على موطئ قدم فاعل في سوريا، دون الانزلاق إلى أعباء سياسية وعسكرية جديدة.
وستبقى نتائج الزيارة، وما قد تفضي إليه من اتفاقيات مكتوبة أو تفاهمات سياسية واضحة، محط متابعة دقيقة، باعتبارها مؤشرًا على شكل المرحلة المقبلة في سوريا، وعلى ملامح الدور الروسي في إعادة رسم توازنات المنطقة.