واشنطن تنهي وجودها العسكري في قاعدة التنف

حجم الخط

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إكمال الانسحاب المنظم لقواتها من قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا في الحادي عشر من شباط الجاري، في خطوة تمثل تحولاً بارزاً في خريطة انتشار القوات الأمريكية داخل الأراضي السورية بعد سنوات من التمركز في هذه النقطة الاستراتيجية الحساسة. وجاء الإعلان عبر بيان رسمي نُشر على منصة “X”، أكدت فيه القيادة أن الانسحاب تم ضمن عملية انتقال مدروسة استندت إلى تقييم شامل للظروف الميدانية أجرته قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب.

انسحاب ضمن إعادة تموضع عسكري

أوضحت القيادة المركزية أن الخطوة تأتي في سياق إعادة تموضع للقوات بما يتناسب مع تطورات المشهد الأمني في المنطقة. وأكد قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، أن إنهاء الوجود في القاعدة لا يعني تراجعاً عن مهمة مكافحة تنظيم داعش، مشدداً على أن القوات الأمريكية ستبقى على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات قد تنشأ، مع الاستمرار في دعم العمليات التي يقودها الشركاء المحليون في سوريا والعراق. ويعكس هذا التصريح توجهاً للحفاظ على القدرة العملياتية دون التمسك بتمركز ثابت داخل الموقع.

عمليات مكثفة ضد داعش

أشار البيان إلى أن الشهرين الماضيين شهدا نشاطاً عسكرياً مكثفاً ضد خلايا تنظيم داعش، حيث نُفذت أكثر من مئة ضربة باستخدام أكثر من 350 ذخيرة موجهة بدقة، ما أسفر عن أسر أو مقتل أكثر من خمسين عنصراً من التنظيم. وتأتي هذه العمليات في إطار منع إعادة تشكل البنية التنظيمية لداعش في مناطق البادية، التي ما تزال تُعد بيئة ملائمة لتحركات الخلايا المتفرقة بسبب طبيعتها الجغرافية المفتوحة واتساع مساحتها.
وزارة الدفاع: الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف ويبدأ الانتشار على الحدود مع العراق والأردن

الجيش السوري استلم القاعدة

وأعلنت وزارة الدفاع أن وحدات من الجيش العربي السوري تسلمت قاعدة التنف وأمّنت القاعدة ومحيطها، وذلك بالتنسيق بين الجانبين السوري والأمريكي، مشيرة إلى أن القوات السورية باشرت الانتشار على الحدود السورية – العراقية – الأردنية في بادية التنف، فيما ستبدأ قوات حرس الحدود في الوزارة استلام مهامها والانتشار في المنطقة خلال الأيام القادمة.

وتؤكد واشنطن أن مكافحة التنظيم لم تنته بانحسار سيطرته الجغرافية عام 2019، بل انتقلت إلى مرحلة ملاحقة الخلايا النائمة وقطع طرق التمويل والإمداد، وهي مهمة استمرت قاعدة التنف في لعب دور محوري فيها خلال السنوات الماضية.

قاعدة عند مثلث حدودي حساس

تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي الذي يربط سوريا بالعراق والأردن، في منطقة صحراوية قريبة من الطريق الدولي القديم بين دمشق وبغداد. هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية بالغة، إذ شكّلت نقطة مراقبة وتحكم في حركة العبور عبر البادية، كما أتاحت للتحالف الدولي الإشراف على مساحات واسعة من المناطق الحدودية ذات الحساسية الأمنية.

منذ إنشائها، أُقيم حول القاعدة نطاق أمني بقطر يقارب خمسة وخمسين كيلومتراً، وكانت القوات الأمريكية تعتبره منطقة حماية لقواتها وللفصائل المتحالفة معها. وشهدت المنطقة خلال السنوات الماضية توترات متكررة وتحذيرات عسكرية، ما عزز من رمزية القاعدة كإحدى أبرز نقاط الوجود الأمريكي في سوريا.

نشأة القاعدة وأهدافها

أُنشئت قاعدة التنف عام 2016 في ذروة الحرب ضد تنظيم داعش، عندما كان التنظيم يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية. وجاء تأسيسها بهدف قطع خطوط الإمداد بين معاقل التنظيم في البلدين ومنع تحركاته عبر الحدود المفتوحة، إضافة إلى تدريب ودعم فصائل محلية شاركت في عمليات ملاحقة عناصره داخل البادية، وفي مقدمتها فصيل “جيش مغاوير الثورة”.

ومع تغير طبيعة الصراع وتراجع سيطرة التنظيم على المدن الرئيسية، تحولت مهمة القاعدة إلى مركز دعم لعمليات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف محددة، مع التركيز على منع إعادة تشكل خلايا التنظيم في المناطق الصحراوية الممتدة.

مرحلة جديدة في المشهد الميداني

يمثل الانسحاب من التنف محطة مهمة في مسار الوجود العسكري الأمريكي داخل سوريا، ويعكس تحولاً في أسلوب الانتشار من التمركز الثابت إلى الاعتماد على مرونة أكبر في إدارة العمليات. ورغم إخلاء الموقع، تؤكد واشنطن استمرار قدرتها على تنفيذ عمليات ضد تنظيم داعش عند الضرورة، سواء عبر الشركاء المحليين أو من خلال قدرات عسكرية متمركزة خارج الأراضي السورية.

بهذا التطور، تُطوى صفحة امتدت قرابة عقد من الزمن، شكّلت خلالها قاعدة التنف إحدى أبرز نقاط الارتكاز الأمريكية في البادية السورية، في سياق يعكس تغير أولويات الانتشار العسكري مع استمرار التركيز على منع عودة تنظيم داعش إلى الواجهة من جديد.