في ظل تحركات شعبية ورسمية شهدتها مدينة السقيلبية بريف حماة، اليوم، بين مظاهرة صامتة طالبت بالمحاسبة وتعويض المتضررين، واجتماعات رسمية أكدت على تطبيق القانون وملاحقة المتورطين، تتجه الأنظار إلى احتواء تداعيات التوتر الذي شهدته المدينة أمس.
وبينما عبّر الأهالي عن قلقهم من تكرار الاعتداءات، شددت الجهات المعنية، وفق مصدر حكومي في المحافظة فضّل عدم الكشف عن اسمه، على أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى فرض القانون وضمان الاستقرار، مؤكدة أن المحاسبة ستشمل جميع المتورطين دون استثناء.
تحرّك شعبي يعكس القلق المحلي
شهدت المدينة مظاهرة صامتة جابت عدداً من شوارعها، عبّر خلالها المشاركون عن رفضهم للاعتداءات التي طالت محال تجارية وبعض الأهالي، مطالبين بمنع تكرارها وتعويض المتضررين.
ورفع المشاركون شعارات تدعو إلى تعزيز الأمن وتطبيق القانون، مؤكدين تمسكهم بالسلم الأهلي ورفضهم لأي مظاهر للعنف، في خطوة عكست توجهاً مجتمعياً نحو التهدئة والحفاظ على الاستقرار.
اجتماعات لاحتواء الأزمة
بالتوازي، عقدت إدارة منطقة الغاب اجتماعاً ضم وجهاء ورجال دين، بحضور ممثلين عن الأجهزة الأمنية، لبحث سبل احتواء التوتر.
وبحسب المصدر الحكومي في محافظة حماة، فقد خلصت الاجتماعات إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها:
تطبيق القانون ومحاسبة المتورطين
حصر السلاح بيد الدولة ومنع دخول أي مجموعات مسلحة
تشكيل لجنة قضائية للتحقيق وتحديد المسؤوليات
تقييم الأضرار وتعويض المتضررين
دعم دور الوجهاء ومجالس الصلح
وأشار المصدر إلى أن بعض المقترحات، مثل إغلاق بعض الطرق أمام القادمين من خارج المحافظة، “غير واقعية وصعبة التطبيق”، لما قد تحمله من تداعيات قانونية ومجتمعية.
كما شدد على أن دور قوات الأمن يتمثل في حماية الممتلكات العامة والخاصة، مؤكداً أن المحاسبة ستشمل جميع المتورطين من مختلف الأطراف، مبدياً استغرابه من تحويل كل حادثة مجتمعية إلى صراع بين الدولة ومكونات مجتمع محلي.
تفاصيل الحادثة
وكانت المدينة قد شهدت، أمس، حادثة توتر أمني طالت عدداً من المحال التجارية وبعض الأهالي، في واقعة تتباين الروايات حول تفاصيلها.
ففي حين تشير بعض الروايات الرسمية إلى أن ما جرى بدأ كـ“شجار فردي تطور بشكل غير متوقع”، تحدثت مصادر محلية عن احتكاك محدود توسع سريعاً في ظل أجواء مشحونة وخطاب تحريضي متداول على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أشارت هذه المصادر إلى تحرك مجموعات من الشبان على دراجات نارية، أقدمت على الاعتداء على محال تجارية، متهمين عناصر من الأمن العام بالتغطية عليهم خلال الهجوم..
دور المجتمع المحلي في التهدئة
ورغم التباين في توصيف ما جرى، لعب وجهاء المنطقة ورجال الدين دوراً محورياً في احتواء التوتر، عبر تدخلات سريعة ساهمت في تهدئة الأوضاع ومنع اتساع دائرة العنف، سواء من خلال رجال الدين المسيحي أو من خلال مجلس الصلح في المنطقة.
وأكد هؤلاء رفضهم لأي محاولات لبث الفتنة، وتمسكهم بالسلم الأهلي، داعين إلى معالجة الأسباب الكامنة خلف الحادثة.
أرث الأسد
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع الذي شهدته المدينة خلال سنوات قمع الأسد للثورة السورية، وعمليات التهجير والتعفيش الواسع الذي طال قرى وبلدات المجتمعات المالية للثورة، والتي من بينها قلعة المضيق، حيث برزت تشكيلات ميليشياوية ارتبطت بنظام الأسد آنذاك ضمن ما عُرف بالقوى الرديفة.
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا السياق، نابل العبد الله، الذي ارتبط بقيادة مجموعات ميليشياوية في المنطقة، وسط تقارير ووثائق تثبت تلقيه دعماً مالياً وعسكرياً من الروس..
ورغم تراجع الدور المباشر لهذه التشكيلات لاحقاً، فإن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في المشهد المحلي، وتلقي بظلالها على طبيعة التفاعلات الاجتماعية والأمنية، في المنطقة والتي من الممكن أن تدخل في إطار تغذية أي صراع وتحويله إلى طائفي، وفقاً لمراقبين.
تفعيل القانون هو الحل
تعكس أحداث السقيلبية هشاشة التحول الذي قد يطرأ على التوترات المحلية، إذ يمكن أن تنتقل بسرعة من خلافات ومشاجرات محدودة إلى توترات ذات طابع أوسع، في ظل بيئة مشحونة وخطاب تحريضي متصاعد.
وفي هذا السياق، حذّر حقوقيون وقادة رأي من مخاطر الانزلاق نحو صراعات طائفية، مؤكدين أن التعامل مع مثل هذه الحوادث يتطلب تفعيل القانون بشكل حازم، ومحاسبة المتورطين دون تمييز، بما يمنع تكرارها ويحافظ على السلم الأهلي.
وشددوا على أن مسؤولية الدولة والمجتمع معاً تكمن في احتواء التوترات ضمن إطار قانوني ومؤسساتي، بما يضمن عدم تحولها إلى صراعات أعمق تهدد الاستقرار العام، في بلد أنهكته سنوات من النزاع ولا يحتمل مزيداً من الانقسامات.