الشرع من برلين: نتطلع للتعاون مع ألمانيا في كافة المجالات .. واللاجئون ثروة لكلا البلدين

حجم الخط

في مؤتمر صحفي مشترك عقده الرئيس الشرع مع المستشار الألماني أولاف شولتس في العاصمة الألمانية برلين، قدّم الشرع رؤية بلاده للعلاقة مع ألمانيا، إلى جانب ملامح المرحلة الداخلية المقبلة في سوريا.

وفي بداية كلمته، أشاد بالدور الذي لعبته ألمانيا خلال سنوات الحرب، معربًا عن امتنانه العميق لقيادتها وشعبها على استقبال نحو مليون سوري، ومنحهم فرصة لإعادة بناء حياتهم.

وأكد أن سوريا، بما تمتلكه من موقع جيوسياسي وعمق حضاري، تمثل فرصة مناسبة لبناء شراكة استراتيجية مع أوروبا تقودها ألمانيا، مشيرًا إلى أن بلاده تتطلع للعودة إلى الساحة الدولية بإرادة أكثر صلابة.

وفيما يتعلق بالسوريين في ألمانيا، أكد الرئيس الشرع أن السوريين المقيمين في ألمانيا يشكلون ركيزة أساسية في مرحلة التعافي، موضحًا أن عددهم يقدّر بنحو 1.3 مليون شخص، بينهم آلاف الأطباء ومئات الآلاف من المساهمين في الاقتصاد الألماني.

وأشار إلى أن هذه الطاقات البشرية تمثل عنصرًا محوريًا في إعادة الإعمار، نظرًا لما اكتسبته من خبرات خلال سنوات اللجوء.

الهجرة الدائرية

وفيما يتعلق بالاستفادة المتبادلة من الخبرات السورية، كشف الشرع عن العمل مع الحكومة الألمانية على تطوير برنامج “الهجرة الدائرية”، الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار بلادهم، دون التخلي عن استقرارهم المهني والمعيشي في ألمانيا.

الاستثمار وإعادة الإعمار

وبالنسبة إلى ملف الاستثمار، أكد الشرع أن سوريا تطرح نموذجًا استثماريًا استراتيجيًا طويل الأمد، يفتح المجال أمام السوق الألمانية والاقتصادات الأوروبية للمشاركة في إعادة الإعمار، ضمن بيئة قانونية واقتصادية تعمل الدولة على تطويرها.

السياسات الداخلية

وعلى الصعيد الداخلي، أكد الشرع أن بناء سوريا مستقرة يتطلب حصر القوة والقرار بيد مؤسسات الدولة الشرعية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لضمان الأمن والاستقرار.

وشدد على أن رؤية الدولة الجديدة تقوم على مبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة، مع رفض أي شكل من أشكال الكيانات الموازية أو وجود سلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.

وفي ملف الأمن، قال الشرع إن استقرار سوريا وسلامة مواطنيها يمثلان أولوية عليا، مؤكدًا أن مكافحة الإرهاب وتفكيك شبكات تهريب الكبتاغون تأتي في صدارة الجهود، وذلك بالتعاون مع المجتمع الدولي.

وفي الشأن الإقليمي، أعرب الرئيس الشرع عن قلقه من التصعيد العسكري في المنطقة، مؤكدًا رفض بلاده تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات.

كما أدان الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، معتبرًا أنها انتهاك للقانون الدولي واتفاقية فض الاشتباك، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته.

وأشار الرئيس الشرع إلى أن سوريا تعمل على ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بعد عقود من الحكم الاستبدادي، مؤكدًا الحاجة إلى دستور عصري يحمي حقوق المواطنين ويؤسس لمرحلة جديدة.

الموقف الألماني

من جانبه، تناول المستشار الألماني أولاف شولتس تطورات الملف السوري، مؤكدًا دعم بلاده لمرحلة ما بعد الحرب.

وأشار إلى أن الشعب السوري تحرر قبل عام من نظام ديكتاتوري، لافتًا إلى أن مشاهد تحرير المعتقلين من السجون وهتافات الفرح في الشوارع تركت أثرًا عميقًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.

وأكد أن ألمانيا وقفت إلى جانب الشعب السوري خلال سنوات النزاع، واستقبلت نحو مليون لاجئ، معتبرًا أن المرحلة الحالية تمثل بداية إعادة إعمار “سوريا الجديدة”.

وأضاف أنه على يقين بأن العديد من السوريين الذين لجؤوا إلى ألمانيا يتطلعون إلى المساهمة في إعادة بناء وطنهم.

الاستقرار والنمو شرط الإعمار

وشدد المستشار الألماني على أن تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار يمثلان ركيزتين أساسيتين لإنجاح عملية إعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن السوريين العائدين من ألمانيا يمكن أن يلعبوا دورًا مهمًا في هذه المرحلة، بفضل الخبرات التي اكتسبوها.

لجنة مشتركة وتحرك ميداني

وأعلن شولتس عن الاتفاق على تأسيس لجنة عمل مشتركة مع الجانب السوري، تضم وزارتي الداخلية والتنمية، إضافة إلى ديوان المستشارية، على أن تباشر أعمالها خلال الأيام المقبلة.

كما أشار إلى تنظيم زيارات لوفود ألمانية إلى دمشق، بهدف الاطلاع على الواقع الميداني ودعم جهود المرحلة المقبلة.

ملف اللاجئين

وفيما يتعلق بملف اللاجئين، أكد الرئيس الشرع أن الحرب في سوريا قد انتهت، وأن البلاد دخلت مرحلة إعادة البناء، رغم حجم الدمار الكبير الذي خلّفته سنوات النزاع.

وأوضح أن سوريا بدأت فعليًا بوضع خطط لإعادة الإعمار، والعمل على تهيئة بيئة قانونية واقتصادية جاذبة للاستثمار، بما يساهم في توفير الظروف المناسبة لعودة اللاجئين، بالتوازي مع فتح المجال أمام الاستثمارات، بما فيها الألمانية، لدعم هذه المرحلة.

من جهته، أشار المستشار الألماني إلى أن ملف اللاجئين كان محورًا أساسيًا في النقاشات، موضحًا أنه طلب من الرئيس السوري التعاون فيما يتعلق بعودة الأشخاص الذين لا يحملون إقامات قانونية، إضافة إلى فئة محدودة من المجرمين والجناة الذين تسعى ألمانيا إلى إعادتهم.

وأعرب عن أمله في أن يتمكن نحو 80% من اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم خلال السنوات الأربع القادمة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن من هم مندمجون في المجتمع الألماني ويقيمون بشكل قانوني يمكنهم الاستمرار في حياتهم هناك.

كما وجّه الشكر إلى الشعب الألماني على استقباله أعدادًا كبيرة من اللاجئين خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن المرحلة الحالية قد تكون مناسبة لبدء نقاش جدي حول العودة في ضوء التحسن التدريجي للأوضاع داخل سوريا.

ويأتي المؤتمر الصحفي المشترك في ختام زيارة الرئيس الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين، التي بدأها أمس، حيث بحث مع كبار المسؤولين الألمان سبل تطوير العلاقات بين الجانبين وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.