منتدى أنطاليا يفتح مسارًا جديدًا لإعادة تموضع سوريا إقليميًا

حجم الخط

تأخذ مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي تستضيفه تركيا بين 17 و19 نيسان/أبريل الجاري، بعدًا يتجاوز الحضور البروتوكولي، لتتحول إلى مؤشر على تحولات أعمق في مقاربة دمشق لعلاقاتها الخارجية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتسارع الأحداث وإعادة تشكيل موازين القوى.

ويُعقد المنتدى هذا العام تحت عنوان “التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل”، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة وتداعيات أزمات متشابكة، انعكست على ملفات الطاقة وأمن الإمدادات، خصوصًا مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية، ومنها مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، تعود سوريا إلى الواجهة بوصفها نقطة تقاطع محتملة في مشاريع الربط الإقليمي وإعادة هندسة طرق التجارة والطاقة.

حضور سياسي يعكس مسار إعادة التموضع

تأتي المشاركة السورية، وللعام الثاني على التوالي، ضمن سياق يُنظر إليه على أنه محاولة لإعادة إدماج دمشق في الفضاءات الدبلوماسية متعددة الأطراف، بعد سنوات من التراجع في الحضور الدولي.

ويجمع المنتدى قادة دول وحكومات ووزراء خارجية وممثلين عن مؤسسات دولية كبرى، ما يمنح الوفد السوري فرصة لعقد لقاءات مباشرة مع أطراف فاعلة في النظام الدولي.

ويعكس هذا الحضور تحولًا تدريجيًا في أدوات السياسة الخارجية السورية، باتجاه الانفتاح على مسارات دبلوماسية أكثر تنوعًا، بعيدًا عن أنماط الاصطفاف التقليدية.

رسائل سياسية تتجاوز الشكل التمثيلي

لا يقتصر البعد السوري في المنتدى على المشاركة الشكلية، بل يحمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، تتصل بمحاولة إعادة صياغة العلاقات الخارجية على أسس أكثر مرونة وتوازنًا.

وفي هذا الإطار، يشير الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى أن الخطاب السوري الأخير يعكس توجهًا نحو سياسة خارجية قائمة على التوازن والانفتاح على مختلف القوى الدولية، بما يشمل الغرب بقيادة الولايات المتحدة، إلى جانب روسيا والصين، في مقاربة توصف بأنها أقرب إلى النماذج البراغماتية في إدارة العلاقات الدولية.

كما برز ملف العلاقة مع إسرائيل ضمن الرسائل السياسية، حيث أبدت دمشق استعدادًا للانخراط في مسارات تفاوضية ضمن الظروف الدولية الراهنة، مع التشديد على ثوابت تتعلق بالسيادة، وفي مقدمتها ملف هضبة الجولان المحتلة ورفض أي تغيير في وضعها القانوني.

هذا الطرح، بحسب علوش، يعيد تموضع سوريا في سياق النقاشات الإقليمية المستقبلية، ويفتح الباب أمام احتمالات إعادة تنشيط قنوات التفاوض في ظل الحراك الدولي المتزايد.

الطاقة كمدخل لإعادة رسم الخرائط الاقتصادية

في موازاة البعد السياسي، تبرز ملفات الطاقة كعنصر محوري في إعادة صياغة الاهتمام الإقليمي بسوريا.

وتتجه تركيا، وفق تقديرات سياسية واقتصادية، إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لربط شبكات الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، وهو ما يضع الأراضي السورية ضمن نطاقات محتملة لمشاريع الربط المستقبلية.

ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الطاقي مع خطوط التجارة الدولية، ما يمنح سوريا موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا ذا أهمية متزايدة.

المنتدى كمنصة لبناء العلاقات لا توقيع الاتفاقيات

رغم أن منتدى أنطاليا لا يُعد منصة رسمية لتوقيع الاتفاقيات، فإنه يشكل مساحة حيوية لاختبار المواقف وبناء جسور الثقة بين الأطراف المشاركة.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي طه عودة أوغلو، في حديث لمنصة سوريا 24، أن المشاركة السورية تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي، لتشمل فتح قنوات اقتصادية واستراتيجية مع عدد واسع من الدول، في ظل التحولات الجارية في الإقليم، بما في ذلك تداعيات الأزمات المرتبطة بإيران والصراعات الإقليمية المتداخلة.

ويضيف أوغلو أن الحضور السوري يوجه أيضًا رسائل إلى الغرب مفادها أن دمشق تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية والانتقال إلى موقع أكثر فاعلية في معادلات الاستقرار الإقليمي، بعد سنوات من الصراع والتجاذبات.

وفد واسع وتمثيل دولي كبير

يضم الوفد السوري المشارك في المنتدى عددًا من المسؤولين، من بينهم وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، إلى جانب خبراء في مجالات الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة.

ويشارك في المنتدى نحو 5 آلاف شخصية من أكثر من 150 دولة، بينهم أكثر من 20 رئيس دولة وحكومة، ونحو 50 وزير خارجية، ما يعكس حجم التمثيل الدولي واتساع مساحة الحوار التي يوفرها الحدث.

ووسط كل ذلك، تبدو مشاركة الرئيس أحمد الشرع في منتدى أنطاليا محطة ذات دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي، لتضع سوريا أمام فرصة جديدة لإعادة تموضعها في النظام الدولي.

لكن هذا المسار يبقى مرهونًا بقدرة دمشق على ترجمة الحضور الخارجي إلى استقرار داخلي مستدام، وإلى سياسات اقتصادية وانفتاح مؤسسي يواكب التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.