في تطور لافت على صعيد ملف العدالة الانتقالية في سوريا، أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة حي التضامن جنوبي دمشق، في عملية أمنية وُصفت بأنها “محكمة التخطيط ودقيقة التنفيذ”، نفذتها الأجهزة الأمنية بعد تتبع استخباراتي استمر لفترة طويلة.
ويأتي هذا التطور ليعيد فتح أحد أكثر الملفات دموية وإثارة للجدل خلال سنوات الحرب، وسط تفاعل واسع من مؤسسات رسمية وحقوقية وشخصيات سياسية، إضافة إلى ردود فعل شعبية لافتة، خصوصاً في حي التضامن بدمشق.
عملية أمنية معقدة ورصد طويل للمطلوب
أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في تصريحات للإخبارية السورية، أن توقيف أمجد يوسف جاء نتيجة عمل استخباراتي دقيق، مشيراً إلى أن الموقوف كان “على قائمة أبرز المطلوبين لإدارة العمليات العسكرية منذ لحظة التحرير”.
وأوضح البابا أن الأجهزة الأمنية كانت قد نفذت محاولة سابقة لإلقاء القبض عليه في أواخر أيلول/سبتمبر من العام الماضي، لكنها لم تكلل بالنجاح، ما دفع إلى إعادة بناء خطة أمنية أكثر إحكاماً.
وأضاف أن العملية الأخيرة جرت عبر “غرفة عمليات رفيعة المستوى”، كان فيها “الأمن الداخلي في محافظة حماة رأس الحربة في التنفيذ”، ما أدى إلى إلقاء القبض عليه بعد متابعة ميدانية دقيقة.
العدالة الانتقالية: خطوة مفصلية لا تسقط بالتقادم
من جهته، اعتبر رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن توقيف أمجد يوسف يمثل “خطوة مفصلية على طريق العدالة”.
وقال عبد اللطيف إن الجرائم المرتكبة في هذا السياق “لا تسقط بالتقادم”، مؤكداً أن “حقوق الضحايا لا تنسى”، وأن مسار المساءلة “ماضٍ حتى النهاية دون تراجع”.
وشدد على أن هذه التطورات تعزز مسار العدالة الانتقالية في البلاد، وتعيد الثقة بإمكانية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت خلال سنوات الصراع.
وزارة العدل: لا إفلات من العقاب
أكد وزير العدل مظهر الويس عبر منصة “إكس” أن توقيف المتهم الرئيسي بمجزرة التضامن “يؤكد مضي الدولة بثبات في مسار المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب”.
وأضاف الوزير أن العدالة “ستأخذ مجراها بما يضمن إنصاف الضحايا وصون كرامتهم”، مشيداً في الوقت ذاته بجهود الأجهزة الأمنية التي واصلت العمل على ملاحقة المتورطين وتقديمهم للقضاء.
انتصار أول للضحايا
بدوره، اعتبر وزير الإعلام حمزة المصطفى أن إلقاء القبض على أمجد يوسف “يشكل انتصاراً أول لأرواح الشهداء وتكريماً معنوياً لعائلاتهم”.
وأشار المصطفى على حسابه في منصة “إكس” إلى أن العملية تمت “بجهود مباركة من رجال الأمن العام وبمتابعة من وزارة الداخلية”، مضيفاً أن ما جرى “يعد خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية”.
وفي منشوره، لفت الوزير إلى أن الحدث “بدد شيئاً من الغصة التي رافقت درب الآلام الطويل”، مؤكداً أن طريق الإنصاف “يبدأ من هنا نحو وطن تصان فيه الكرامة والدماء”.
إشادة تركية بالعملية
وعلق السفير التركي لدى دمشق نوح يلماز على العملية، مشيراً إلى أن المتهم أوقف في سياق ملف مجزرة التضامن التي وقعت عام 2013.
وأوضح يلماز أن المجزرة التي شهدها حي التضامن، والذي تقطنه أيضاً مكونات تركمانية، أسفرت عن “إعدام نحو 288 شخصاً مقيدين وإلقائهم في حفرة ثم إحراقهم”، واصفاً إياها بأنها “إحدى أبشع جرائم الحرب في سوريا”.
واختتم السفير التركي تصريحه بتوجيه التهنئة لقوى الأمن الداخلي على تنفيذ العملية.
احتفالات شعبية في حي التضامن
في موازاة الإعلان عن الاعتقال، شهد حي التضامن في دمشق حالة من التفاعل الشعبي، حيث انطلقت مسيرة من أمام جامع الزبير باتجاه موقع المجزرة، وفاءً لضحاياها.
وبحسب مصادر محلية، عبّر المشاركون عن “ارتياح واسع” بعد إعلان توقيف المتهم الرئيسي، معتبرين أن الخطوة تمثل “بداية مسار إنصاف طال انتظاره”.
وجاءت هذه التحركات الشعبية بالتزامن مع إعلان رسمي عن تنفيذ العملية الأمنية في ريف حماة، ما أضفى زخماً إضافياً على الحدث داخل الشارع المحلي.
دلالات سياسية وقضائية
ويمثل توقيف أمجد يوسف تطوراً مهماً في مسار التعامل مع ملفات الانتهاكات الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بجرائم موثقة خلال سنوات الحرب.
كما يفتح الحدث الباب أمام مرحلة جديدة من الإجراءات القضائية، في ظل تأكيدات رسمية بأن “المساءلة ستشمل كل من يثبت تورطه”، وأن مسار العدالة الانتقالية “لن يتوقف عند هذا الحد”.
وفي الوقت الذي تتباين فيه التقييمات السياسية حول تداعيات الحدث، يتفق معظم المعلقين على أن توقيف شخصية مرتبطة بملف مجزرة التضامن يشكل محطة فارقة في مسار العدالة، سواء على المستوى القضائي أو الرمزي.
خطوة على طريق طويل
بين إشادات رسمية وترقب شعبي، يبدو أن توقيف أمجد يوسف يفتح فصلاً جديداً في واحد من أكثر الملفات حساسية في سوريا.
وبينما تؤكد السلطات الأمنية والقضائية السورية أن العدالة “تأخذ مجراها”، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات القضائية القادمة، في قضية ما تزال آثارها الإنسانية حاضرة بقوة في الذاكرة السورية.