رغم تزايد الوعي المجتمعي باضطراب طيف التوحد خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الأسر في دمشق وريفها تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى خدمات التشخيص والتأهيل المناسبة لأطفالها، في ظل محدودية عدد المراكز المتخصصة وارتفاع تكاليف العلاج في المراكز الخاصة مقارنة بالقدرة المعيشية لغالبية العائلات.
وتؤكد شهادات عدد من الأهالي أن الحاجة إلى مراكز تأهيل مجانية أو مدعومة أصبحت أكثر إلحاحًا، خاصة في مناطق الريف التي يضطر سكانها إلى تحمل أعباء النقل والتكاليف الإضافية للوصول إلى الخدمات المتاحة داخل المدينة.
وتقول ميساء، وهي أم لطفل مصاب بطيف التوحد من ريف دمشق، إن هناك حاجة ملحّة للاهتمام بالمراكز الموجودة في الريف وتسليط الضوء على الأطفال الذين يعانون من اضطرابات التوحد وصعوبات التعلم، مضيفة أن زيادة الوعي بالاضطراب خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تشخيص العديد من الحالات التي كانت تعاني بصمت.
أما زينب، من مدينة قدسيا، فتشير إلى أن أطفال طيف التوحد ظلوا لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام الكافي، معتبرة أن تخصيص مراكز متخصصة لهذه الفئة يشكل خطوة مهمة نحو توفير خدمات أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
بدورها، ترى مرام، وهي معلمة في إحدى المدارس، أن وجود مراكز التأهيل في الأرياف يخفف أعباء كبيرة عن الأسر، موضحة أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع تحمل تكاليف التنقل اليومي إلى العاصمة أو دفع أجور المراكز الخاصة.
وتتوزع خدمات تأهيل أطفال طيف التوحد في دمشق وريف دمشق بين مراكز حكومية، ومراكز تديرها جمعيات أهلية، وأخرى خاصة. ومن أبرز المراكز المجانية أو المدعومة مركز معضمية الشام، الذي افتتح حديثًا برعاية وزارة الأوقاف ومؤسسة “خذ بيدي” التنموية، إضافة إلى مركز كفرسوسة الصحي، الذي يعد من أوائل المراكز الحكومية التخصصية المجانية في هذا المجال.
كما تدير جمعية “سبل” عددًا من المراكز التأهيلية في جرمانا والقطيفة والتضامن، فيما تقدم جهات أهلية أخرى خدمات مشابهة، مثل معهد طيف للتربية الخاصة في الهامة، وجمعية إرادتي في ضاحية قدسيا، إلى جانب المنظمة السورية للمعوقين “آمال”، التي توفر برامج تقييم وتأهيل متخصصة بأسعار مدعومة.
في المقابل، تعتمد العديد من الأسر على المراكز الخاصة، مثل مركز أمل الخاني في يعفور، ومركز ROUH للتأهيل، ومركز ملائكة الجنة، إلا أن تكاليف الجلسات العلاجية والتأهيلية تبقى مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من الأهالي.
ويُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية العصبية التي تظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، ومن أبرز مؤشراته ضعف التواصل البصري والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى وجود سلوكيات وحركات نمطية واهتمامات محدودة لدى الطفل، بحسب أخصائي النطق عدنان حسون.
ويؤكد حسون أن اضطراب طيف التوحد بات أكثر حضورًا في المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن أبرز مؤشرات الاضطراب تظهر في السنوات الأولى من عمر الطفل، من خلال ضعف التواصل البصري والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى أنماط سلوكية واهتمامات محدودة ومتكررة.
وقال حسون، في حديثه إلى سوريا 24، إن العاملين في مجال التأهيل لاحظوا تزايدًا في أعداد الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، موضحًا أن النسب المسجلة في سوريا تبدو متقاربة مع المعدلات العالمية، التي تشير إلى وجود حالة توحد واحدة تقريبًا بين كل 60 و65 طفلًا، بينما كانت سابقًا حالة واحدة بين كل 159 طفلًا.
وأضاف أن القطاع يواجه تحديات كبيرة تتمثل في النقص الواضح في عدد المراكز المتخصصة والكوادر المؤهلة، سواء في المؤسسات العامة أو الخاصة، الأمر الذي ينعكس على قدرة الأسر على الوصول إلى خدمات التأهيل اللازمة.
ولفت إلى أن تكاليف التأهيل في المراكز الخاصة تشكل عبئًا ثقيلًا على العائلات، إذ قد تصل إلى ما بين 100 و150 دولارًا شهريًا للطفل الواحد، في وقت ترتفع فيه تكاليف تشغيل المراكز نتيجة الحاجة إلى فرق متخصصة تضم أخصائيين ومشرفين وبرامج علاجية متعددة.
وأشار حسون إلى أن بعض المراكز المدعومة لا تستطيع تقديم أكثر من جلستين أسبوعيًا للطفل بسبب محدودية الإمكانات، بينما يحتاج العديد من الأطفال إلى جلسات يومية أو شبه يومية لتحقيق نتائج أفضل في التأهيل والتطوير السلوكي والتواصلي.
ويرى حسون، إلى جانب عدد من الأهالي، أن هذه المراكز، على أهميتها، لا تزال غير كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية ونقص الكوادر المتخصصة في مجالات تعديل السلوك وعلاج النطق والتدخل المبكر، فضلًا عن قوائم الانتظار الطويلة التي تشهدها بعض المراكز المجانية والمدعومة.
وفي هذا السياق، يبرز افتتاح قسم متخصص لرعاية وتأهيل أطفال طيف التوحد ضمن مجمع الهدى الصحي في مدينة قدسيا بريف دمشق قبل أيام، كإضافة جديدة للقطاع، إذ يندرج ضمن مشروع صحي متكامل ينفذه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بالتعاون مع الجمعية الدولية لرعاية ضحايا الحروب والكوارث (IRVD).
وقال عبد السلام الأمين، مدير مكتب منظمة IRVD في سوريا، إن المركز يقدم خدماته مجاناً ويضم عدداً من التخصصات الطبية، من بينها رعاية وتأهيل أطفال طيف التوحد وعلاج النطق، إلى جانب خدمات صحية أخرى تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية والصحية عن السكان.
وأضاف في حديث خاص لموقع سوريا 24 أن المركز يخدم مدينة قدسيا والمناطق المحيطة بها ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية وضمان استدامة الخدمات المقدمة للفئات الأكثر احتياجاً.
وبين الحاجة المتزايدة للخدمات التأهيلية والتوسع التدريجي في افتتاح المراكز الجديدة، تبقى مطالب الأهالي متمثلة بزيادة عدد المراكز المتخصصة في الأرياف، وتوفير كوادر مؤهلة، وتوسيع نطاق الخدمات المجانية بما يضمن حصول أطفال طيف التوحد على فرص أفضل للتأهيل والاندماج في المجتمع.