لم يعد القلق الذي يرافق طالبات السكن الجامعي في دمشق مرتبطًا فقط بظروف الإقامة أو تراجع الخدمات، بل بات يتمحور بصورة أساسية حول الشعور المتزايد بانعدام الأمان داخل المكان الذي يفترض أن يوفر لهن بيئة مستقرة وآمنة خلال سنوات الدراسة.
فآلاف الطالبات القادمات من مختلف المحافظات يواجهن واقعًا يختلف عن الدور المفترض أن تؤديه المدينة الجامعية، إذ تتحدث طالبات عن دخول أشخاص لا تربطهم أي صلة بالجامعة إلى الوحدات السكنية، إلى جانب تحرك سيارات مجهولة داخل الحرم الجامعي، في ظل غياب إجراءات رقابية واضحة لتنظيم حركة الدخول والخروج.
وترى الطالبات أن المشكلة لا تقتصر على وجود أشخاص غرباء، بل تمتد إلى غياب آليات واضحة للتحقق من هوية الداخلين إلى السكن، وضعف الرقابة بما يكفل لهن الشعور بالطمأنينة، ولا سيما داخل الوحدات المخصصة للطالبات.
وتشير شهادات من داخل السكن إلى دخول أشخاص لا يحملون بطاقات جامعية، ولا توجد صلة واضحة لهم بالحياة الجامعية، إضافة إلى دخول سيارات غير معروفة تتحرك داخل المدينة الجامعية خلال ساعات النهار والليل، من دون إجراءات تفتيش أو متابعة كافية، بحسب إفادات الطالبات.
وتؤكد الطالبات أن الحراسة على المداخل لا تزال محدودة، وأن الدخول والخروج لا يخضعان، وفق وصفهن، لإجراءات صارمة، في ظل غياب سجل واضح للزوار، وعدم وجود كاميرات مراقبة كافية في الممرات ومحيط الوحدات، الأمر الذي يجعلهن يشعرن بأن خصوصيتهن وأمنهن ليسا بالمستوى المطلوب.
وقالت هبة الخطيب، طالبة في كلية الهندسة المعلوماتية، لـ”سوريا 24”: “أكثر ما يخيفنا ليس الغرفة أو الماء أو الكهرباء، بل الأشخاص الذين يدخلون إلى السكن دون أن يسألهم أحد من هم. في الليل تدخل سيارات لا نعرف أصحابها، وتتحرك بين الوحدات، خصوصًا بالقرب من وحدة الطالبات. لا نعرف إن كانوا موظفين أو زوارًا أو أشخاصًا لا علاقة لهم بالمكان”.
وأضافت: “لا نعرف من يتحرك خارج غرفنا، وأين الحراسة؟ كيف يمكن أن نشعر بالأمان ونحن لا نعرف من يدخل إلى المكان؟ نريد فقط أن نعرف أن هناك من يحمي هذا السكن”.
أما سارة المصري، طالبة في كلية الطب البشري، فتشير إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على الخدمات، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة الأشخاص الموجودين داخل السكن، قائلة: “لم يعد السكن كما يفترض أن يكون سكنًا طلابيًا. أصبحنا نرى عائلات تقيم فيه، وأشخاصًا يعملون داخله، وآخرين لا علاقة لهم بالجامعة”.
وتابعت: “جئنا للدراسة والعيش في بيئة جامعية، لا للإقامة مع أشخاص لا نعرف هوياتهم. هذا الواقع أصبح يشكل ضغطًا نفسيًا، ولم تعد هناك خصوصية أو شعور كافٍ بالأمان. السكن يجب أن يكون للطلاب، لا للغرباء”.
من جهتها، قالت لانا دياب، طالبة في كلية الحقوق: “نشاهد يوميًا سيارات تدخل إلى المدينة الجامعية وتتوقف أو تتحرك بالقرب من وحدات الطالبات. لا نعرف ما إذا كان أصحابها موظفين أو لديهم أعمال داخل المكان، لكن المشكلة تكمن في غياب التنظيم. لماذا لا توجد رقابة واضحة؟ ولماذا يستطيع أي شخص الدخول والخروج بهذه السهولة؟”.
وأضافت: “أمان الطالبات يجب أن يكون خطًا أحمر”.
ولا تتوقف مخاوف الطالبات عند الجانب الأمني، إذ تتزامن هذه الشكاوى مع ظروف معيشية صعبة داخل السكن، حيث تعاني بعض الوحدات من اكتظاظ الغرف، إذ يصل عدد المقيمات أحيانًا إلى ثماني طالبات في غرفة مخصصة لأربع فقط، ما ينعكس سلبًا على الدراسة والخصوصية والراحة اليومية.
كما تشهد الوحدات انقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه، ما يضطر الطالبات إلى نقل المياه يدويًا إلى الطوابق العليا، فضلًا عن تهالك المرافق الصحية، وغياب أعمال الصيانة، ونقص بعض المفروشات الأساسية داخل الغرف.
وتصف الطالبات المرافق المشتركة بأنها غير ملائمة للاستخدام بسبب الأعطال المتكررة وضعف مستوى النظافة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحياة اليومية داخل السكن.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم أن رسوم السكن الجامعي لا تزال رمزية مقارنةً بالسكن الخاص، فإن تكاليف المواصلات والطباعة والطعام والتدفئة تشكل عبئًا إضافيًا على الطالبات القادمات من المحافظات البعيدة.
كما أثار تخصيص بعض الأجنحة للاستثمار الخاص بنظام (VIP) مخاوف بين الطالبات بشأن مستقبل السكن الجامعي المدعوم، وإمكانية تحوله تدريجيًا إلى خدمات مدفوعة بالكامل، بما قد يزيد من صعوبة حصول الطالبات على سكن يتناسب مع ظروفهن الاقتصادية.
وتخشى الطالبات من أن يؤدي استمرار تراجع مستوى الخدمات وغياب الشعور بالأمان إلى دفع كثيرات منهن إلى البحث عن سكن خاص رغم ارتفاع تكلفته، الأمر الذي قد يهدد قدرة بعضهن على استكمال الدراسة، ويضعهن أمام خيارات صعبة.
وبالنسبة إلى الطالبات، لا يتعلق الأمر بمجرد غرف للإقامة، بل بمكان يفترض أن يوفر الحماية والاستقرار.
ويؤكدن أن مطلبهن الأساسي يتمثل في تطبيق إجراءات واضحة لتنظيم الدخول والخروج، وتعزيز الرقابة داخل المدينة الجامعية، بما يعيد للسكن دوره بوصفه بيئة آمنة تساعدهن على إكمال تعليمهن.
ورغم محاولات “سوريا 24” المتكررة للحصول على تعليق من إدارة المدينة الجامعية بشأن الشكاوى التي تضمنها هذا التقرير، لم تتلقَّ أي رد رسمي حتى لحظة النشر.
وبانتظار استجابة الجهات المعنية، يبقى توفير بيئة سكنية آمنة ومستقرة أحد أبرز مطالب طالبات السكن الجامعي في دمشق، بما يضمن لهن متابعة دراستهن في أجواء تتوافر فيها الحماية والحد الأدنى من مقومات الحياة الجامعية.

