من الدعم النفسي إلى التمكين.. ما الذي يحتاجه الناجون من سجون الأسد في رحلة التعافي؟

حجم الخط

بعد أكثر من عام ونصف على خروجهم من سجون نظام الأسد، لا يزال كثير من الناجين من الاعتقال يواجهون تحديات معقدة تتجاوز لحظة نيل الحرية، إذ تواصل سنوات الاحتجاز ترك آثارها العميقة على صحتهم النفسية والجسدية، وقدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية والاندماج مجدداً في المجتمع.

وفي محاولة لمساندة هؤلاء الناجين، تستمر «جمعية عقمها» الإنسانية في تقديم سلسلة من البرامج الصحية والنفسية والتنموية التي تستهدف المحررين من سجون النظام، إلى جانب فئات أخرى من المدنيين.

وتنفذ الجمعية برنامجاً متخصصاً للدعم النفسي، يستفيد منه عدد من الناجين من الاعتقال، بينهم رجال ونساء من أبناء الغوطة الشرقية، حيث تُقدَّم لهم جلسات دعم نفسي وخطط علاجية فردية تراعي احتياجات كل مستفيد، وتهدف إلى مساعدتهم على تجاوز الآثار النفسية التي خلّفتها سنوات الاعتقال.

ولا يقتصر الدعم على الجانب النفسي، إذ نفذت الجمعية عدداً من العمليات الجراحية بتكاليف مخفضة تقتصر على سعر التكلفة، بما يتيح للمستفيدين الحصول على الرعاية الطبية اللازمة بأعباء مالية أقل. كما تشغّل صيدلية مجانية توفر الأدوية للمحتاجين، ويستفيد المحررون من خدمات العلاج والمتابعة الصحية، إلى جانب برامج الدعم النفسي المتخصصة، بشكل مجاني.

وتوضح رئيسة مجلس إدارة الجمعية، عندلة حنينة، في حديثها لـ«سوريا 24»، أن خدمات الدعم النفسي مخصصة للناجين من الاعتقال، بينما تشمل الخدمات الطبية والصحية الأخرى كلاً من المحررين والمدنيين، في إطار توسيع دائرة المستفيدين من البرامج الإنسانية.

وتضيف أن 115 محرراً استفادوا حتى الآن من برامج الدعم النفسي، معظمهم من أبناء الغوطة الشرقية، حيث تراوحت احتياجاتهم بين العلاج الدوائي والجلسات النفسية الفردية، ضمن خطط علاجية صُممت بما يتناسب مع الحالة النفسية لكل مستفيد.

ومن بين المستفيدين من البرنامج، يؤكد الناجي من معتقلات النظام نور الدين أيمن صفايا أن رحلة التعافي لم تكن سهلة، إلا أن الدعم الذي تلقاه أسهم في إحداث تحول ملموس في حياته. ويقول لـ«سوريا 24»: «أشعر أنني تحسنت بنسبة تتجاوز 80 إلى 85 بالمئة، وحياتي أصبحت أفضل بكثير. لم تكن جلسات الدعم النفسي وحدها هي ما ساعدني، بل إن طريقة تعامل الفريق واهتمامه بنا كان لهما أثر كبير. شعرنا بأن هناك من يقف إلى جانبنا من دون أي مقابل أو تعقيدات، وهذا منحنا دفعة معنوية كبيرة، ورفع من طاقتنا، وساعدنا على استعادة الثقة بأنفسنا».

ويضيف أن الشعور بوجود من يستمع إلى الناجين ويمنحهم الاهتمام والاحترام يخفف من وطأة التجارب القاسية التي عاشوها داخل المعتقلات، ويمنحهم أملاً حقيقياً بإمكانية بدء حياة جديدة.

وفي هذا السياق، تؤكد المرشدة النفسية والاجتماعية نجاح بالوش لـ«سوريا 24» أن الناجين من الاعتقال غالباً ما يعانون آثاراً نفسية عميقة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق المزمن، وفقدان الشعور بالأمان والثقة بالآخرين، الأمر الذي يجعل الدعم النفسي المتخصص خطوة أساسية في رحلة التعافي.

وتوضح أن جلسات الدعم الفردية والجماعية لا تقتصر على تخفيف الأعراض النفسية، بل تساعد الناجين على استعادة ثقتهم بأنفسهم وبالمجتمع، وتمكّنهم من التعبير عن مشاعرهم والتعامل مع تجاربهم المؤلمة بطرق صحية، بما يعزز قدرتهم على الاندماج مجدداً في الحياة الأسرية والاجتماعية والعملية، ويفتح أمامهم فرصة حقيقية للبدء من جديد.

ولا تتوقف جهود الجمعية عند العلاج، بل تمتد إلى إعادة الاندماج الاقتصادي، من خلال دعم الناجين بمشاريع صغيرة مدرة للدخل، تساعدهم على استعادة استقلالهم الاقتصادي بعد سنوات من الانقطاع عن سوق العمل. وشملت هذه المبادرات مشاريع متنوعة، منها تأمين سيارة للعمل، وإطلاق محل للحلويات، ومعرض تجاري، ومشاريع خياطة، ومهن صغيرة أخرى، بما يتيح للمستفيدين فرصة حقيقية لبناء مصدر رزق مستدام.

كما عملت الجمعية على تأمين مقر مناسب لأنشطتها، وتجهيز وسائل النقل والمعدات اللازمة للوصول إلى المستفيدين وتقديم الخدمات لهم بكفاءة أكبر.

وفي جانب آخر، تشير عندلة حنينة إلى تنفيذ رحلات وأنشطة ترفيهية وعروض سينمائية لأطفال دور الرعاية المؤقتة، بهدف التخفيف من الآثار النفسية التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح، وإتاحة مساحات آمنة للأطفال لممارسة الأنشطة الاجتماعية والترفيهية.

ومع سقوط نظام الأسد وخروج آلاف المعتقلين من السجون، اتجهت جهود متزايدة من جمعيات خيرية ومبادرات أهلية إلى مساندة هذه الفئة التي عاشت ظروفاً استثنائية خلال سنوات الاعتقال، فبدأت بتنفيذ زيارات منزلية للناجين، وإجراء معاينات طبية مجانية، وتأمين الأدوية والعلاجات اللازمة، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تخصصاً تمثلت في برامج الدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي والاقتصادي.

ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا بعد فتح السجون عقب التحرير بـ112,414 شخصاً. وأضاف فضل عبد الغني أن النظام السوري كان يقتل المعتقلين المختفين قسراً، ويوثق وفاتهم في السجلات المدنية من دون إخطار ذويهم، مما يزيد من معاناة الأسر.

وفي وقت ما تزال فيه آثار الاعتقال حاضرة في حياة كثير من الناجين، تبدو رحلة التعافي أطول من مجرد الخروج من السجن؛ فهي تتطلب رعاية نفسية وصحية مستمرة، وفرصاً حقيقية للعمل والاستقرار واستعادة المكانة داخل المجتمع، وهي الأهداف التي تسعى «جمعية عقمها» إلى تحقيقها عبر برامجها التي تجمع بين العلاج والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي، لتمنح الناجين فرصة فعلية لبدء حياة جديدة.