قبل الحرب، كان حي بعيدين، الواقع في شمال شرقي مدينة حلب بين أحياء الشيخ فارس والهلك والحيدرية، وعلى مقربة من الشيخ مقصود، من أكثر الأحياء اكتظاظًا بالسكان.
لكن موقعه على خطوط التماس خلال سنوات النزاع جعله ساحة للمعارك والقصف المتبادل، فتضررت أبنيته السكنية وبنيته التحتية بشكل واسع، ونزحت غالبية سكانه، بينما تعاقبت عليه قوى مختلفة خلال سنوات الحرب.
وبعد عودة آلاف العائلات إثر سقوط نظام بشار الأسد، يجد السكان أنفسهم أمام حي يحاول النهوض من جديد، لكن الخدمات الأساسية ما تزال بعيدة عن تلبية احتياجاتهم اليومية.
وقال خالد حسين إبراهيم، وهو يقف أمام منزله الذي عاد إليه بعد سنوات من النزوح، لـ”سوريا 24”، إن الحي “ينقصه كل شيء”، مشيرًا إلى أن الطرق ما تزال متهالكة، والمياه لا تصل بالكميات الكافية، فيما تغيب الإنارة العامة عن معظم الشوارع، رغم انتظام التيار الكهربائي لساعات طويلة.
وتابع أن سنوات القصف تركت آثارها على الحي بأكمله، وأن السكان عادوا بأموالهم الخاصة لإصلاح منازلهم، بينما بقيت البنية التحتية على حالها تقريبًا. وأشار إلى أن الكهرباء تصل لنحو 18 ساعة يوميًا، إلا أن الشوارع تتحول ليلًا إلى مساحات مظلمة بسبب عدم تشغيل شبكة الإنارة العامة.
بلا صرف صحي
ولا تختلف رواية موسى الأحمد كثيرًا، إذ يرى أن التحسن الذي طرأ على الكهرباء والمياه لا يخفي المشكلات الأكبر التي تواجه الحي. وقال إن شبكة الصرف الصحي أصبحت متهالكة وتتعرض لانسدادات متكررة، في حين لا تزال الإنارة غائبة عن معظم الشوارع، الأمر الذي يزيد من مخاوف السكان، خاصة خلال ساعات الليل.
أما محمد زلخة، الذي عاد إلى بعيدين بعد التحرير وأعاد ترميم منزله بنفسه، فقال لـ”سوريا 24” إن العودة لم تكن نهاية المعاناة، بل بداية مواجهة تحديات جديدة. وأوضح أن أبرز مطالب الأهالي تتمثل في تحسين ضخ مياه الشبكة، وتعزيز خدمات النظافة، وإعادة تشغيل الإنارة العامة، لافتًا إلى أن أعمدة الكهرباء قائمة في الشوارع، لكنها بقيت من دون مصابيح أو تغذية.
وتتكرر في شهادات السكان صورة واحدة؛ أحياء استعادت قاطنيها، لكنها لم تستعد خدماتها. فالطرقات المتضررة، وشبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة، وغياب الإنارة العامة، تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، فيما يضطر كثير من الأهالي إلى الاعتماد على حلول مكلفة لتعويض نقص الخدمات.
وفي نهاية الشارع، يقف مختار حي بعيدين أحمد زلخة ليضع هذه الشهادات في إطار أوسع. وقال إن الحي تعرض لدمار كبير خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى نزوح معظم سكانه، قبل أن يعود إليه اليوم نحو 4300 عائلة.
وأشار، خلال حديثه لـ”سوريا 24”، إلى أن قطاع النظافة شهد تحسنًا ملحوظًا بعد توزيع حاويات جديدة للقمامة، إلا أن أزمة المياه ما تزال قائمة نتيجة ضعف الضخ والأعطال التي تصيب المضخات، الأمر الذي يدفع عددًا كبيرًا من السكان إلى شراء المياه عبر الصهاريج، التي يصل سعر الواحد منها إلى نحو 120 ألف ليرة سورية.
وأضاف أن مجلس مدينة حلب يتابع احتياجات الحي، لكن محدودية الإمكانات ونقص الآليات ينعكسان على سرعة تنفيذ الأعمال الخدمية، ولا سيما في قطاع الصرف الصحي، الذي لا يزال يعاني من أعطال وانسدادات متكررة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب المختار، على الخدمات الأساسية، إذ يرى أن البنية الاقتصادية للمنطقة تحتاج أيضًا إلى إعادة نظر،
موضحًا أن مشروع “صفر حفرة” لم يمنح الحي نصيبه الكافي من أعمال تأهيل الطرق، كما طالب بإنشاء سوق هال في المنطقة الشمالية من مدينة حلب، بدلًا من الاكتفاء بالسوق المركزي الوحيد، الذي يجبر سكان الأحياء الشمالية على قطع مسافات طويلة باتجاه جنوب المدينة للحصول على احتياجاتهم من الخضار والفواكه.
وبالنظر إلى شهادات السكان، تبدو صورة حي بعيدين أقرب إلى مرحلة انتقالية؛ آلاف العائلات نجحت في استعادة منازلها، لكن استعادة المدينة نفسها لا تزال مرتبطة بإعادة بناء الخدمات الأساسية التي فقدها الحي خلال سنوات الحرب، والتي لا تزال تشكل المطلب الأول لسكانه اليوم.
