وسط عشرات المنتجات اليدوية التي ازدانت بها أروقة المركز الثقافي في مدينة داريا، لم يكن بازار “أنامل الخير” مجرد معرض لبيع المصنوعات المنزلية، بل مساحة تروي قصص نساء فقدن المعيل، واخترن مواجهة الظروف الصعبة بالعمل والإنتاج.
المبادرة التي أطلقتها عائلات شهداء داريا جمعت نساءً حوّلن مهاراتهن المنزلية إلى مشاريع صغيرة، في رسالة تؤكد أن فقدان المعيل لم يكن نهاية الطريق، بل بداية رحلة جديدة نحو الاعتماد على الذات.
وشهد البازار، الذي يُقام على مدار يومين في المركز الثقافي بمدينة داريا، مشاركة عشرات النساء اللواتي عرضن منتجاتهن اليدوية والغذائية، وسط حضور من الأهالي الذين قصدوا المعرض دعماً لعائلات الشهداء وتشجيعاً للمشاريع المنزلية.
وتقول أماني الحوراني، المشرفة على بازار “أنامل الخير”، إن فكرة البازار انطلقت من مجموعة من النساء اللواتي فقدن المعيل، بهدف إيجاد مصدر دخل يساعدهن على إعالة أسرهن، موضحة أن المشاركات قررن تحويل مهاراتهن المنزلية إلى مشاريع إنتاجية، واستطعن تنظيم المعرض في المركز الثقافي بمدينة داريا، حيث عرضت كل سيدة ما تنتجه في منزلها.
وأضافت أن التحضير للفعالية بدأ قبل نحو عشرة أيام، من خلال حملة إعلان وترويج واسعة لتعريف الأهالي بالبازار وتشجيعهم على الحضور ودعم المنتجات المحلية.
وأشارت الحوراني إلى أن المعرض يضم تشكيلة واسعة من الصناعات اليدوية والمنزلية، تشمل منتجات الريزن، والشموع العطرية، والصابون الطبيعي، والإكسسوارات، ومنتجات الكونكريت، وأعمال الصوف والكروشيه، ومستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، إضافة إلى الأعشاب والمنظفات المنزلية، فضلاً عن المؤونة المنزلية، مثل المربيات والبهارات والزهورات، مؤكدة أن جميع المنتجات من صناعة النساء المشاركات داخل منازلهن.
وأكدت أن المبادرة لا تهدف إلى تسويق المنتجات فقط، وإنما تحمل رسالة أوسع، تتمثل في إبراز قدرة المرأة السورية على تجاوز المحن وبناء مصدر رزق مستقل، رغم فقدان الزوج أو المعيل.
وقالت: “نريد أن نثبت للجميع أن المرأة السورية، حتى بعد فقدان المعيل، قادرة على العمل والإنتاج وتحقيق النجاح”، لافتة إلى أن الإقبال على البازار كان جيداً، وأن كثيراً من الزوار حضروا ليس فقط للشراء، بل للاطلاع على إبداعات المشاركات، اللواتي قدمن أعمالاً يدوية متقنة نالت إعجاب الحضور.
من بين المشاركات في البازار، تعرض وفاء، أم صبحي، منتجاتها المصنوعة بالكروشيه، وهي حرفة تعلمت أساسياتها من جدتها قبل أن تطورها بشكل أكبر عبر الإنترنت.
تقول وفاء لـ”سوريا 24” إنها بدأت بتعلم أشكال جديدة من أعمال الكروشيه من خلال متابعة الدروس والأفكار المنشورة عبر الإنترنت، ثم عملت على تطوير مهاراتها وإنتاج قطع مختلفة، موضحة أن هدفها من هذه الحرفة ليس فقط ممارسة هواية، وإنما مساعدتها على تأمين احتياجات أسرتها وأطفالها.
وتضيف: “تعلمت من جدتي بالبداية، وبعدها طورت مهارتي عن طريق الإنترنت، وصرت أبحث عن أشكال جديدة وأطبقها. أعمل بالكروشيه حتى أساعد نفسي وأساعد أولادي، وهذه البازارات أتاحت لي فرصة عرض منتجاتي أمام الناس”.
وتشير أم صبحي إلى أنها كانت تعتمد سابقاً على التسويق لمنتجاتها عبر الإنترنت، إلا أن المشاركة في البازارات ساعدتها على الوصول إلى عدد أكبر من الزبائن، إذ أصبح بإمكان الناس رؤية المنتجات على أرض الواقع والتعرف إلى جودة العمل اليدوي، ما زاد من الإقبال عليها.
وتشكّل البازارات المحلية مساحة مهمة لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة، ولا سيما النساء اللواتي يعملن من منازلهن، وتمنحهن فرصة عرض منتجاتهن والتعريف بها والوصول إلى زبائن جدد بعيداً عن محدودية التسويق الإلكتروني. كما تسهم هذه الفعاليات في تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء عبر تحويل المهارات الفردية إلى مصادر دخل مستدامة، إضافة إلى بناء شبكات تواصل بين المنتجين والمستهلكين وتشجيع الصناعات اليدوية المحلية.
يجسّد بازار “أنامل الخير” نموذجاً لمبادرات مجتمعية تسعى إلى تمكين النساء اقتصادياً، وتحويل الحِرف المنزلية إلى مشاريع إنتاجية توفر دخلاً للأسر، وفي الوقت ذاته تحافظ على حضور عائلات الشهداء في الحياة العامة، عبر مبادرات تجمع بين الوفاء لذكراهم ودعم من تركوا خلفهم.



