سوريا تعود إلى شبكات الدفع العالمية.. “فيزا” تبدأ والمصارف أمام اختبار الامتثال

حجم الخط

بدأت شركة “فيزا” تنفيذ أول عملية دولية حية للدفع بالبطاقات في سوريا، في خطوة تقول السلطات إنها تمثل بداية إعادة ربط البلاد بشبكات الدفع العالمية بعد سنوات من العزلة المالية.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان إن العملية نُفذت في دمشق بالتعاون مع “Fransabank Lebanon” وشركة “Paymera”.

وأضاف أن نقطة القبول والتاجر باتا معرّفين داخل المنظومة على أنهما في سوريا، فيما يرتبط حساب التاجر بمصرف محلي، وأنّ العملية تظهر لحامل البطاقة على أنها نُفذت في دمشق.

وقال إن ذلك يمثل الفارق الأساسي عن عمليات كانت تجري سابقاً عبر ترتيبات خارجية أو قنوات لا تظهر فيها سوريا كسوق قبول مستقلة، موضحاً أنّ إعادة الربط بالشبكات العالمية تعني أن تصبح سوريا سوقاً معترفاً بها دولياً لقبول البطاقات، وأن تُنفذ العمليات باسم تاجر سوري ومن داخل المنظومة المالية السورية.

المركزي ينفي وجود وسيط تركي

وفي الوقت نفسه، نفى رسلان وجود عقد مع شركة تركية للالتفاف على المصرف المركزي أو قيام شركة تركية بدور “فيزا” في العملية، وأنّ الحديث عن عدم وجود تعاون مباشر بين مصرف سوريا المركزي و”فيزا” غير صحيح.

وأضاف أن المركزي أعلن سابقاً شراكة وخارطة طريق مع الشركة لإطلاق عملياتها في سوريا وربط منظومة الدفع المحلية بالشبكات العالمية.

وتأتي الخطوة في وقت تسعى فيه السلطات إلى توسيع خدمات الدفع الإلكتروني وإعادة بناء القطاع المالي، بعد سنوات اعتمدت خلالها السوق السورية بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية.

كما تعتمد السوق حالياً على خدمات دفع محلية، من بينها “Paymera” و”شام كاش”، في ظل محدودية استخدام البطاقات المصرفية الدولية.

خبير اقتصادي: الاستخدام المحلي لا يزال محدوداً

لكن الاستخدام الواسع للبطاقات بالنسبة إلى أصحاب الحسابات المصرفية السوريين لا يزال في مراحله الأولى، وقال خبير التنمية الاقتصادية خالد تركاوي لموقع سوريا 24 إنه تواصل مع عدد من أصحاب الحسابات الجارية في مصارف سورية، لكنهم لم يتسلموا حتى الآن بطاقات دفع مرتبطة بحساباتهم.

وأضاف أن ذلك يجعل من الصعب حتى الآن تقييم آلية الاستخدام الفعلي لهذه البطاقات بالنسبة إلى العملاء المحليين، وأنّ وجود تعاون بين مصرف سوريا المركزي و«فيزا» كان معلناً رسمياً منذ فترة.

وقال تركاوي إن سوريا تحتاج أساساً إلى توسيع منظومة الدفع الإلكتروني، وأنّ استخدام “فيزا” و”ماستركارد” سيمنح عمليات الدفع قبولاً أوسع ومعياراً دولياً، كما سيسهل على الأفراد شراء السلع والخدمات وتسديد المدفوعات.

التقنية متاحة.. لكن المشكلة في البنوك

ورداً على سؤال حول قدرة القطاع المالي السوري على تشغيل هذه الأنظمة، قال تركاوي إن ذلك ممكن من الناحية التقنية. وأوضح تركاوي أن الجانب التقني “سهل نسبياً” من الطرف السوري، فيما يقع جزء أساسي من البنية التشغيلية على الشركات الدولية المشغلة للشبكات.

لكن التحدي الأكبر، بحسب تركاوي، لا يتعلق بالتقنية بقدر ما يرتبط بوضع القطاع المصرفي نفسه، وأنّ تحسين البيئة المصرفية يتطلب وجود بنوك أقوى من حيث رأس المال، إلى جانب قدرتها على الالتزام بالمعايير الدولية وتطبيق أنظمة الامتثال الحديثة.

وأضاف أن المصارف السورية تعاني حالياً من ضعف في التطبيق الفعلي لهذه الأنظمة، مشيراً إلى أنّ ما ينقص البنوك هو “تطبيق نظم الامتثال فعلياً”، معتبراً أن هذه المعايير لا تزال غير مطبقة بصورة كافية داخل القطاع.

الحوكمة والامتثال في صدارة التحديات

وتشمل أنظمة الامتثال إجراءات التحقق من العملاء ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب مراقبة التحويلات وإدارة المخاطر، كما تعد هذه المعايير من المتطلبات الأساسية لبناء علاقات مستقرة مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الدولية.

وفي المقابل، يرى تركاوي أن الإجراءات التي يتخذها مصرف سوريا المركزي تسير في الاتجاه الصحيح، وقال إنه يتابع القرارات والخطوات التنظيمية التي يصدرها المركزي، وإنها تتجه، برأيه، نحو تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية وتحسين حوكمة القطاع.

وأضاف أن “المركزي يمشي بالاتجاه الصحيح حتى يصير في التزام بالمعايير الدولية”.

لكن تركاوي قال إن المشكلة لا تنتهي عند إصدار القوانين والتعليمات، موضحاً أن البنوك السورية لا تزال ضعيفة في وضعها الحالي، سواء من حيث رأس المال أو الكوادر البشرية أو قدرتها على التعامل مع الإجراءات الجديدة.

وأضاف أن هناك “إشكالية في الموظف، وكذلك في رأس مال البنك وقدرته على التعامل مع الإجراءات الجديدة”.

البنوك المراسلة الاختبار الأصعب

ويرى تركاوي أن الانتقال إلى قطاع مصرفي أكثر انفتاحاً يتطلب، لذلك، تطوير كفاءة العاملين ورفع رسملة البنوك وتعزيز الرقابة الداخلية والامتثال وإدارة المخاطر.

وتكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة في ظل سعي المصارف السورية إلى استعادة علاقاتها مع البنوك المراسلة في الخارج.

وكانت سنوات العقوبات والعزلة المالية قد أضعفت ارتباط البنوك السورية بالمؤسسات المالية الدولية، فيما أصبحت استعادة تلك العلاقات أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

وفي حين تمثل أول عملية دولية لـ”فيزا” خطوة عملية نحو إعادة الاتصال بالشبكات العالمية، فإن توسيع استخدامها داخل السوق السورية سيعتمد على أكثر من الجاهزية التقنية.

بل سيبقى مرتبطاً بقدرة المصارف المحلية على تطبيق القواعد الجديدة فعلياً وتعزيز الحوكمة والامتثال ورفع كفاءة كوادرها ورؤوس أموالها.

وفي حال تحقق ذلك، قد تمثل عودة البطاقات الدولية خطوة نحو تقليص الاعتماد على النقد وإعادة دمج القطاع المالي السوري تدريجياً في النظام المصرفي العالمي.