تتجه الجهود الدولية لدعم تعافي الصناعة السورية نحو إعادة تشغيل المصانع المتضررة وتطوير البنية التحتية للطاقة وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية، في وقت تشير فيه بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تراجع قيمة إنتاج الصناعات التحويلية الخاصة من 428.4 مليار ليرة سورية عام 2010 إلى 261 مليار ليرة عام 2024، بفارق يبلغ 167.4 مليار ليرة، أي نحو 39% من القيمة المسجلة في بداية الفترة.
وفي أحدث التحركات، بحث برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع اتحاد غرف الصناعة السورية، الأحد، إطلاق برامج قروض لإعادة تشغيل المنشآت الصناعية، وتحسين التغذية الكهربائية في المدن الصناعية، وإنشاء أكاديمية متخصصة في التصدير، ضمن جهود تستهدف استعادة النشاط الإنتاجي وتعزيز قدرة المنتجات السورية على المنافسة.
ورغم أهمية هذه المبادرات، لم يُعلن حتى الآن حجم التمويل المخصص لها أو عدد المصانع التي ستستفيد منها، ولا الجدول الزمني لبدء التنفيذ، ما يترك تساؤلات بشأن قدرتها على إحداث تحول ملموس في قطاع تضررت منشآته وسلاسل إمداده خلال سنوات الحرب.
الإنتاج الصناعي.. تراجع بنحو 39%
بحسب دراسة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تموز/يوليو 2026، بالتعاون مع باحثين من كلية لندن للاقتصاد، انخفضت قيمة إنتاج الصناعات التحويلية الخاصة من 428.4 مليار ليرة عام 2010 إلى 261 مليار ليرة عام 2024.
ويعادل الفارق الحسابي بين الرقمين نحو 167.4 مليار ليرة، بانخفاض اسمي نسبته 39.1%، غير أن هذه المقارنة لا تكفي وحدها لقياس الانكماش الحقيقي في الإنتاج ما لم يُتحقق من اعتماد أسعار ثابتة أو إجراء تعديلات تعكس التضخم وتغير قيمة العملة.
حددت الدراسة ثلاث سلاسل إنتاجية ذات أولوية للتعافي، هي الصناعات الغذائية المعلبة، ومنتجات الألبان، والمنتجات الجلدية، نظراً إلى ارتباطها بالمواد الأولية المحلية وفرص التشغيل والتصدير.
قروض لإعادة التشغيل.. والتمويل مايزال مجهولاً
خلال الاجتماع مع اتحاد غرف الصناعة، كشف ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حسن فلاحة عن التحضير لمشاريع تمويل تستهدف مساعدة المنشآت الصناعية على استعادة نشاطها، بالتوازي مع برامج لدعم ريادة الأعمال.
لكن الإعلان لم يحدد قيمة المحفظة التمويلية، أو عدد المنشآت المستفيدة، أو أسعار الفائدة وفترات السداد والضمانات المطلوبة.
الكهرباء.. عامل حاسم في تكلفة المنتج السوري
إلى جانب التمويل، ناقش الجانبان مشاريع لتحسين إمدادات الكهرباء في المدن الصناعية، في محاولة لمعالجة أحد أبرز العوامل التي ترفع تكلفة الإنتاج المحلي.
فعدم انتظام التغذية الكهربائية يدفع المصانع إلى الاعتماد على المولدات ومصادر الطاقة البديلة، ما يضيف أعباء تشغيلية ويضعف القدرة على منافسة المنتجات المستوردة.
وتتفاوت آثار المشكلة بين القطاعات الصناعية، إذ تحتاج الصناعات الغذائية إلى تشغيل مستمر لأنظمة التبريد والحفظ، بينما تتأثر الصناعات النسيجية والهندسية بتوقف الآلات وارتفاع تكاليف الطاقة.
ولم يحدد البرنامج المدن الصناعية المستهدفة أو القدرات الكهربائية التي يمكن توفيرها، ولا ما إذا كانت المشاريع ستعتمد على إعادة تأهيل الشبكات القائمة أو إنشاء مصادر تغذية جديدة.
أكاديمية للتصدير.. ثلاث صناعات مرشحة للاستفادة
في مسار موازٍ، أعلن البرنامج الأممي عن التحضير لإنشاء أكاديمية للتصدير تستهدف تطوير قدرات الصناعيين السوريين على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومن المتوقع أن تركز برامج من هذا النوع على المواصفات الفنية والجودة والتعبئة والتغليف والتسويق الدولي وإجراءات التجارة الخارجية، وهي متطلبات أساسية لدخول الأسواق الإقليمية والأوروبية.
وتبرز الصناعات الغذائية والجلدية ضمن القطاعات المرشحة للاستفادة، ولا سيما أن دراسة البرنامج الأممي حددت الصناعات الغذائية المعلبة والألبان والمنتجات الجلدية بوصفها ثلاث سلاسل إنتاجية ذات إمكانات للتعافي.
من مؤتمر حزيران إلى مشاريع تشرين الأول
تأتي المباحثات بعد نحو أربعة أشهر ونصف من انعقاد مؤتمر الحوار الوطني للقطاع الخاص في دمشق، خلال الفترة من الأول إلى الثالث من حزيران/يونيو 2026، بمشاركة جهات حكومية وممثلين عن قطاع الأعمال وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وناقش المؤتمر تحديات التمويل والضرائب والتجارة والاستثمار والبيئة التشريعية، إلى جانب دور المغتربين السوريين في دعم التعافي الاقتصادي.
وكان البرنامج قد بدأ مشاوراته مع القطاع الخاص في كانون الثاني/يناير 2026، ما يعني أن المبادرات الجديدة تأتي بعد نحو تسعة أشهر من إطلاق مسار الحوار الاقتصادي.
ويمثل الانتقال من المشاورات إلى طرح مشاريع القروض والكهرباء والتصدير خطوة إضافية، لكنه لا يشكل حتى الآن دليلاً على بدء صرف التمويل أو إعادة تشغيل منشآت جديدة.
اختبار النتائج.. كم مصنعاً سيعود إلى الإنتاج؟
تطرح المبادرات الجديدة أسئلة تتجاوز حجم التمويل المعلن، وفي مقدمتها عدد المصانع التي يمكن إعادة تشغيلها، وفرص العمل التي ستوفرها، ومدى مساهمتها في زيادة الإنتاج والصادرات.
وتتطلب الإجابة تحديد مؤشرات قابلة للقياس، تشمل عدد المنشآت المستفيدة، وقيمة القروض المصروفة، وحجم الإنتاج قبل الدعم وبعده، وعدد العمال الذين عادوا إلى وظائفهم، وقيمة الصادرات الإضافية.
كما يبرز سؤال بشأن التوزيع الجغرافي للبرامج، وما إذا كانت ستشمل المنشآت المتضررة في مختلف المحافظات أم ستتركز في المدن الصناعية الكبرى.
وفي ظل غياب الأرقام التنفيذية، تبقى المبادرات خطوة واعدة لكنها لم تتحول بعد إلى نتائج اقتصادية قابلة للتقييم.
وبين تراجع قيمة الإنتاج الصناعي المسجلة في الدراسة بنحو 39% خلال الفترة 2010–2024، وطرح ثلاثة مسارات جديدة للدعم تشمل التمويل والطاقة والتصدير، يظل التحدي أمام الجهات المعنية هو تحويل هذه البرامج إلى مصانع عاملة وفرص عمل وصادرات فعلية، مع نشر بيانات واضحة تتيح قياس أثرها على الاقتصاد السوري.